آخر الأخبار

استراتيجية الاحتلال في لبنان: استغلال التنوع الديني كلاح حرب

شارك

سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث أثارت صورة جندي يدنس تمثالاً للسيد المسيح في إحدى القرى المسيحية غضباً واسعاً. ورغم اعتذار قادة الاحتلال عن هذا الفعل الرمزي، إلا أنهم لم يبدوا أي أسف تجاه تدمير المساجد والمدارس الحكومية والبنية التحتية التي طالها القصف العنيف خلال الأسابيع الماضية.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن الاحتلال يتبع سياسة 'العقاب الجماعي' التي طبقها سابقاً في قطاع غزة، مستهدفاً هذه المرة الحاضنة الشعبية للمقاومة في لبنان. وقد تجلى ذلك في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي توعد بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نسخة مدمرة تشبه مدينة خان يونس الفلسطينية.

وفي إطار استغلال التباينات الداخلية، يمارس مسؤولو الاحتلال ضغوطاً علنية وسرية على الزعماء الدروز والمسيحيين لإخراج النازحين الشيعة من مناطقهم. تهدف هذه التحركات إلى خلق شرخ اجتماعي وأهلي داخل لبنان، وتحويل التنوع الديني الذي يميز البلاد إلى فتيل للاقتتال الداخلي الذي يخدم مصالح 'تل أبيب'.

لقد أسفر العدوان الأخير عن حصيلة دموية ثقيلة، حيث قُتل أكثر من 2300 شخص ونزح ما يزيد عن مليون لبناني من قراهم ومدنهم. ومن بين المجازر المروعة، برزت الغارة الجوية على بيروت في الثامن من نيسان، والتي أدت لمقتل 350 شخصاً في غضون عشر دقائق فقط، رغم الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.

ويرى الدكتور أسامة مقدسي أن هذا التكتيك لا يستهدف حزب الله كقوة عسكرية فحسب، بل يشن حرباً شاملة على طبيعة المجتمع اللبناني التعددي. فالاحتلال يسعى لتقويض نموذج التعايش الذي يمثله لبنان، واستبداله ببيئة ممزقة طائفياً يسهل التحكم بها وفرض الإرادة السياسية عليها.

تاريخياً، لم تكن الأطماع الإسرائيلية في لبنان وليدة اللحظة، بل تعود إلى عهد ديفيد بن غوريون الذي وضع عينه على نهر الليطاني كحدود طبيعية للتوسع. ومنذ اجتياح عام 1982، حاول الاحتلال مراراً تنصيب سلطة تابعة له في بيروت عبر التدخل في التوازنات الطائفية الحساسة للبلاد.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الهش، إلا أن قوات الاحتلال لا تزال تحتفظ بوجود عسكري في مساحات واسعة من الحدود الجنوبية. ويمنح الاتفاق الحالي 'تل أبيب' ذريعة 'الدفاع عن النفس' للقيام بعمليات عسكرية في أي وقت، بينما يفتقر الجانب اللبناني لضمانات مماثلة تحمي سيادته.

هذا التكتيك الخبيث والخطير لا يشن حرباً على الشعب فحسب، بل على طبيعة المجتمع اللبناني نفسه وتاريخه الطويل من التعايش.

إن استهداف المدنيين من الطائفة الشيعية بشكل مركز يهدف إلى عزلهم سياسياً واجتماعياً عن بقية المكونات اللبنانية. ويحاول المتحدثون باسم جيش الاحتلال تبرير قصف المناطق المختلطة بادعاءات غير مدعومة بأدلة حول انتقال عناصر المقاومة إليها، مما يضع حياة جميع اللبنانيين في خطر دائم.

ويواجه الجيش اللبناني تحديات جسيمة في الحفاظ على السلم الأهلي ومنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية جديدة يخطط لها الاحتلال. فرئيس أركان الجيش يدرك أن محاولة نزع سلاح المقاومة بالقوة في ظل التهديد الإسرائيلي المستمر قد تؤدي إلى انفجار داخلي لا تحمد عقباه.

يمثل لبنان بنظامه الدستوري وتعدديته الدينية نقيضاً للأيديولوجية التي يقوم عليها كيان الاحتلال كدولة يهودية تسعى لإخضاع محيطها. وهذا التناقض الجوهري هو ما يدفع الاحتلال لمحاولة تدمير النموذج اللبناني الذي يثبت إمكانية العيش المشترك بين مختلف الأديان والطوائف.

وفي خضم الدمار، تبرز قصص التكاتف الإنساني كدليل على صمود النسيج الاجتماعي اللبناني، مثل قصة المسعف يوسف عساف الذي استشهد أثناء أداء واجبه. وقد تحولت جنازته في مدينة صور إلى تظاهرة وطنية جمعت رجال دين مسلمين ومسيحيين في رسالة تحدٍ واضحة لسياسات التقسيم.

إن الصراع الحالي يتجاوز الحدود العسكرية ليصل إلى جوهر البقاء الوطني، حيث يرفض اللبنانيون في كثير من المناطق الانجرار خلف التحريض الإسرائيلي. وتستمر محاولات الاحتلال لابتزاز الحكومة اللبنانية سياسياً عبر التهديد بمزيد من التدمير إذا لم تنصع لمطالبه الأمنية.

ويبقى مستقبل المنطقة معلقاً بين خيارين؛ إما القبول بالهيمنة الإسرائيلية التي تقوم على تفتيت الدول المجاورة، أو التمسك بالتعددية والكرامة الوطنية. إن صمود لبنان في وجه هذه الضغوط الطائفية يمثل حائط صد أمام مشاريع التوسع التي تستهدف الجغرافيا والإنسان على حد سواء.

ختاماً، يظل الوعي اللبناني بمخاطر اللعب على الوتر الطائفي هو الضمانة الوحيدة لإفشال مخططات الاحتلال. فبينما تهدم الآلة العسكرية القرى والمدن، يحاول المجتمع اللبناني ترميم ما أفسدته الحرب عبر التمسك بهويته الوطنية الجامعة ورفض الانقسام الذي يمهد الطريق للاحتلال.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا