لم تعد الجغرافيا في منطقة شرق المتوسط مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل تحولت إلى بنية تحتية للصراع الراهن حيث تتقاطع السيادة الوطنية مع مصالح الطاقة الكبرى. يبرز لبنان اليوم كحالة نموذجية لدولة تمتلك موارد واعدة لكنها تواجه تحديات وجودية في تثبيت حقها باستثمار هذه الثروات بعيداً عن موازين القوى العسكرية.
تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان على مساحة شاسعة تصل إلى 22,700 كيلومتر مربع، وهي مقسمة إلى عشرة بلوكات بحرية استراتيجية. تشكل البلوكات رقم 8 و9 و10 الركيزة الأساسية في المنطقة الجنوبية، بمساحات إجمالية تعكس الأهمية الجيوسياسية لهذه الرقع البحرية المتاخمة للحدود.
تشير التقديرات العلمية إلى أن الحوض المشرقي يختزن إمكانات غازية هائلة للبنان تتراوح بين 12 و25 تريليون قدم مكعب. هذه الكميات تضع لبنان على خارطة الدول النفطية المحتملة، وتفتح الباب أمام تحول اقتصادي جذري إذا ما توفرت ظروف الاستخراج المستقرة.
من الناحية المالية، تُقدر القيمة النظرية لهذه الموارد بمليارات الدولارات، حيث تتراوح بين 84 مليار دولار كحد أدنى وقد تتجاوز 250 مليار دولار في السيناريوهات المتفائلة. تعتمد هذه الأرقام على تقلبات أسعار الغاز العالمية وتكاليف البنية التحتية اللازمة لعمليات الاستخراج والتصدير.
رغم هذه الأرقام المبشرة، فإن الواقع الميداني يفرض تحديات معقدة، حيث تحول شرق المتوسط من مساحة للتعاون الطاقوي المفترض إلى ساحة للتنافس الحاد. تُستخدم الموارد الطبيعية حالياً كأدوات للضغط السياسي وإعادة التموضع الاستراتيجي بين القوى الإقليمية المتصارعة.
تتزايد المؤشرات على رغبة الاحتلال الإسرائيلي في نقل النزاع من طابعه الحدودي التقليدي على اليابسة إلى نمط أكثر تعقيداً يشمل المجال البحري. هذا التحول يوحي بسعي لفرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز التفاهمات القانونية السابقة التي تم التوصل إليها عبر الوساطات الدولية.
يمكن وصف التحركات الأخيرة بأنها محاولة لتكريس مفهوم 'الاحتلال المركب'، الذي يجمع بين السيطرة البرية ومحاولة فرض النفوذ في الحيز البحري المقابل. هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر إعادة تعريف الحدود الفعلية للسيادة اللبنانية عبر القوة العسكرية بدلاً من الاتفاقات الدبلوماسية.
إن التلويح المستمر بإعادة النظر في اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع عام 2022 ليس مجرد مناورة سياسية عابرة. بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فتح الملفات القانونية المغلقة واستخدامها كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالأمن والحدود.
يؤدي هذا التداخل بين العمليات العسكرية والامتداد البحري إلى خلق بيئة طاردة للاستثمارات الدولية والشركات العالمية الكبرى. فغياب الاستقرار القانوني والأمني يجعل من البلوكات الجنوبية مناطق نزاع مجمدة، مما يعيق أي تقدم فعلي في عمليات التنقيب أو الاستخراج.
تبرز هنا المقارنة الحتمية مع تجربة حقل غزة البحري، الذي ظل أسيراً للتعقيدات السياسية والأمنية لأكثر من عقدين من الزمن. فرغم وجود جدوى اقتصادية واضحة، إلا أن غياب السيادة الفعلية حال دون استفادة الفلسطينيين من مواردهم الطبيعية حتى الآن.
يواجه لبنان اليوم خطراً حقيقياً يتمثل في تحول أصوله السيادية من الغاز إلى مجرد أوراق تفاوضية خاضعة لموازين القوى المتغيرة. التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إثبات وجود الاحتياطيات، بل في القدرة على حماية الإطار القانوني الذي يضمن استثمارها بحرية.
إن فرض شروط سياسية أو أمنية على عمليات الاستخراج قد يؤدي إلى تأجيل استفادة لبنان من ثرواته إلى أجل غير مسمى. هذا السيناريو يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة مواردها تحت ضغوط إقليمية ودولية هائلة.
في المحصلة، لم يعد السؤال يدور حول حجم الثروة الغازية التي يمتلكها لبنان في أعماق بحره، بل حول قدرته على حماية هذه الثروة من المصادرة الجيوسياسية. إن الحفاظ على هذه البلوكات يتجاوز كونه مسألة اقتصادية تقنية ليصبح قضية سيادية وطنية بامتياز.
في زمن يعاد فيه تشكيل النظام الإقليمي على وقع القوة العسكرية، يجد لبنان نفسه مطالباً بتثبيت موقعه وحماية حقوقه المائية. إن النجاح في هذا الاختبار سيحدد ما إذا كان الغاز سيكون رافعة للاقتصاد الوطني أم مجرد ضحية جديدة للصراعات الجيوسياسية في المنطقة.
المصدر:
القدس