عاش قطاع غزة يوماً دامياً جديداً يوم الجمعة، حيث استشهد تسعة فلسطينيين على الأقل، بينهم سيدة وطفل وخمسة من عناصر الشرطة، جراء سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة من القطاع. وتأتي هذه الهجمات في إطار الخروقات المتصاعدة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، مما يهدد بانهيار حالة الهدوء الهشة التي يسعى الفلسطينيون للحفاظ عليها.
وأكدت وزارة الداخلية في غزة أن الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة تركزت في مناطق تقع خارج نطاق انتشار وسيطرة جيش الاحتلال، وفقاً للخرائط والتفاهمات المقرة في اتفاق وقف إطلاق النار. وأشارت الوزارة إلى أن تعمد الاحتلال ضرب هذه المناطق يمثل تجاوزاً خطيراً للاتفاقات الموقعة، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار الأمني والمدني في المناطق التي تديرها الأجهزة الفلسطينية.
وفي مدينة خانيونس جنوبي القطاع، أفادت مصادر ميدانية باستشهاد خمسة فلسطينيين، من بينهم ثلاثة من عناصر جهاز الشرطة، إثر غارة جوية استهدفت مركبتهم في محيط منطقة بئر 19 بمنطقة المواصي. وتزامن هذا القصف مع تحركات عسكرية برية، حيث توغلت آليات الاحتلال بالقرب من شارع صلاح الدين شرقي المحافظة، وقامت بعمليات تفتيش وتنكيل بالمواطنين بمساعدة عناصر محلية موالية للاحتلال.
أما في شمال القطاع، فقد استهدفت طائرات الاحتلال منازل سكنية في محيط مستشفى كمال عدوان ببلدة بيت لاهيا، مما أسفر عن استشهاد طفل وسيدة وإصابة ستة آخرين بجروح متفاوتة. ونقلت فرق الإسعاف الضحايا إلى المستشفى الذي يعاني أصلاً من نقص حاد في المستلزمات الطبية نتيجة الحصار الطويل والدمار الذي لحق بالبنية التحتية الصحية خلال سنوات الحرب الماضية.
وفي مدينة غزة، استشهد ضابطان من الشرطة الفلسطينية وأصيب اثنان آخران في قصف استهدف دورية أمنية بالقرب من مركز شرطة الشيخ رضوان. وشددت مصادر محلية على أن هذه الدوريات كانت تمارس مهامها الاعتيادية في تنظيم حياة المواطنين وتأمين المساعدات، وهو ما يجعل استهدافها جريمة مباشرة ضد العمل الإنساني والمدني في المدينة المنهكة.
من جانبها، أصدرت وزارة الداخلية بياناً شديد اللهجة نددت فيه باستمرار صمت المنظمات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تجاه الاستهداف الممنهج لعناصر الشرطة المدنية. واعتبرت الوزارة أن هذا الصمت يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في جرائمه ضد جهاز مدني محمي بالكامل بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى أن حصيلة خروقات الاحتلال منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار قد بلغت 972 شهيداً و2235 جريحاً. وتظهر هذه الأرقام أن الاحتلال لم يتوقف فعلياً عن ممارسة القتل الممنهج، رغم التوصل للاتفاق بعد سنتين من حرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في أكتوبر 2023 وخلف دماراً طال 90% من المنشآت المدنية.
وعلى الصعيد السياسي، يرى مراقبون أن هذه الخروقات تأتي في وقت يشهد فيه الرواية الإسرائيلية تراجعاً كبيراً في المحافل الدولية، خاصة في مدن كبرى مثل نيويورك وإسبانيا. كما يتزايد الضغط الشعبي في الدول الغربية حول جدوى استمرار تمويل العمليات العسكرية الإسرائيلية من أموال دافعي الضرائب، في ظل الفشل الجغرافي والنفسي لمشروع 'إسرائيل الكبرى' بعد عقود من الصراع.
ورغم محاولات الاحتلال فرض واقع جديد عبر القوة العسكرية، إلا أن الوعي الشعبي العربي لا يزال يرفض التطبيع، حيث بقيت الشعوب في مصر والأردن معادية للكيان رغم اتفاقيات السلام الرسمية. وقد أثبتت الأحداث الميدانية، وصولاً إلى هجوم السابع من أكتوبر أن الشعب الفلسطيني قادر على نقل المعركة إلى الداخل المحتل وإفشال مخططات التصفية السياسية.
ختاماً، يبقى الوضع في قطاع غزة مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل إصرار الاحتلال على خرق التفاهمات الدولية وتجاهل التحذيرات الفلسطينية. وتؤكد وزارة الداخلية أن جهاز الشرطة سيواصل تقديم خدماته للمواطنين رغم الاستهداف، مشددة على أن حماية الجبهة الداخلية هي أولوية وطنية لن تتراجع عنها مهما بلغت التضحيات في ظل غياب الحماية الدولية الحقيقية.
المصدر:
القدس