أحيا رئيس دولة الاحتلال، إسحاق هرتزوغ، حفل استقبال للسلك الدبلوماسي المعتمد بمناسبة الذكرى الثامنة والسبعين لما يسمى 'عيد الاستقلال'، وسط أجواء سياسية مشحونة. وقد شهدت المناسبة تبايناً لافتاً في مستوى التمثيل الدبلوماسي العربي، حيث اقتصر الحضور الرسمي على دولتي الإمارات والبحرين، في حين فضلت سلطات الاحتلال التكتم على قوائم الحضور الكاملة لتجنب إحراج الدول المشاركة في ظل استمرار تداعيات حرب غزة 2023.
توزعت فعاليات الاحتفال في مواقع ذات رمزية سياسية ودينية حساسة، شملت ساحة حائط البراق ومقابر 'عظماء الأمة' على جبل هرتزل وصولاً إلى مقر الكنيست. وتأتي هذه المراسم في وقت تقود فيه الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان، برئاسة بنيامين نتنياهو، سياسات تهدف إلى تقويض حل الدولتين وتوسيع رقعة الاستيطان في الضفة الغربية، بدعم مباشر من وزراء اليمين المتشدد مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
على الصعيد الدولي، تواجه إسرائيل موجة غير مسبوقة من العزلة، يقودها قادة أوروبيون مثل رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، الذي يسعى لتعليق اتفاقية الشراكة مع تل أبيب. هذا التحرك اعتبره مراقبون بمثابة 'إعلان استقلال أخلاقي' لأوروبا عن سياسات الاحتلال، خاصة مع تزايد الضغوط الشعبية والبرلمانية داخل القارة العجوز لوقف الانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
وفي سياق الحراك الشعبي العالمي، استضافت العاصمة البلجيكية بروكسل فعاليات المؤتمر البرلماني الأول الداعم لأسطول الصمود العالمي، بمشاركة مئات السياسيين والناشطين. وتزامن هذا المؤتمر مع انطلاق سفن كسر الحصار في البحر المتوسط باتجاه شواطئ قطاع غزة، وعلى متنها أكثر من ألف ناشط دولي يسعون لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية المتفاقمة جراء الحصار والعدوان المستمر.
الداخل الإسرائيلي لم يكن بمنأى عن هذا التوتر، حيث تصاعدت أصوات المعارضة ضد حكومة نتنياهو، بما في ذلك عائلات القتلى التي تطالب بوقف القتال والتوجه نحو مسارات سياسية. ويرى محللون دوليون، من بينهم الصحفي الأمريكي توماس فريدمان أن ممارسات جيش الاحتلال وخطاب الكراهية الذي يبثه الوزراء المتطرفون يسرعان من تحول إسرائيل إلى دولة فصل عنصري منبوذة، حتى بين حلفائها التقليديين في واشنطن.
من جانبها، وجهت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، انتقادات لاذعة لجيش الاحتلال، واصفة إياه بأنه 'أكثر الجيوش انحطاطاً' بناءً على ما رصدته من انتهاكات ميدانية. هذا الوصف الأممي يعكس حجم الفجوة الأخلاقية والقانونية التي باتت تفصل إسرائيل عن المجتمع الدولي، ويجعل من أي تهنئة عربية لها في هذه الظروف محل استهجان واسع في الشارع العربي.
ختاماً، تشير المعطيات الراهنة إلى تآكل متزايد في الرواية الإسرائيلية عالمياً، حيث لم تعد الاحتفالات بـ 'الاستقلال' قادرة على حجب حقائق الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. ومع استمرار صمود الشعب الفلسطيني وتصاعد الحراك الطلابي والسياسي في أمريكا وأوروبا، يبدو أن الكيان يواجه أزمة شرعية وجودية هي الأعمق منذ تأسيسه على أنقاض المدن والقرى الفلسطينية المهجرة.
المصدر:
القدس