يعيش قطاع غزة واقعاً اقتصادياً معقداً تجاوز حدود الفقر والبطالة، حيث لم يعد مجرد امتلاك المال كافياً لتأمين الاحتياجات الأساسية. تفاقمت أزمة السيولة النقدية بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، نتيجة القيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الأوراق النقدية الجديدة واستبدال التالف منها.
أفادت مصادر بأن هذه الأزمة أدت إلى اهتراء واسع في العملات المتداولة بين أيدي المواطنين، مما دفع التجار والموردين إلى رفض استلامها في كثير من الأحيان. هذا الرفض المتبادل خلق حالة من الشلل في الدورة الاقتصادية المحلية، حيث يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في سلسلة التبادل المالي.
تتجسد المعاناة اليومية في أبسط صورها عند محاولة شراء ربطة خبز أو دفع أجرة المواصلات، حيث يبرز نقص 'الفكة' كعائق رئيسي. الفئات النقدية الصغيرة التي تمثل العمود الفقري للمعاملات اليومية تلاشت تقريباً من الأسواق، مما يجبر السكان على التنازل عن بعض مشترياتهم أو القبول بخسائر مالية غير مباشرة.
نشأ في غزة ما يمكن وصفه بـ 'اقتصاد الندرة'، حيث لا يعكس حجم النقد المتداول النشاط الاقتصادي الحقيقي بل يعكس حجم القيود المفروضة. هذا الخلل البنيوي أدى إلى تآكل تدريجي في جودة الحياة، وزاد من تعقيد الإجراءات التجارية التي كانت في السابق تتم بسلاسة ويسر.
في محاولة للالتفاف على هذه المعضلة، اتجهت شريحة واسعة من الغزيين نحو استخدام المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية الحديثة. ورغم أن هذا التحول الرقمي بدا واعداً في بدايته، إلا أنه اصطدم بواقع تقني واجتماعي مرير حال دون تحوله إلى بديل شامل وحقيقي للنقد الورقي.
تتمثل أبرز عوائق التحول الرقمي في عدم استقرار شبكة الإنترنت في القطاع، وهي الركيزة الأساسية لعمل هذه التطبيقات. بالإضافة إلى ذلك، فإن قطاعات حيوية مثل المخابز ووسائل النقل العام لا تزال تعتمد بشكل كلي على الدفع النقدي المباشر، مما يجعل الحلول الإلكترونية مجرد مسكنات جزئية.
أدت الأزمة المستمرة إلى ظهور تشوهات اقتصادية واضحة، من بينها تراجع الثقة العامة في العملة الورقية المتداولة. وأصبح هناك تفاوت غير رسمي في قبول الفئات النقدية بين تاجر وآخر، حيث يضع البعض شروطاً قاسية لقبول الأوراق النقدية بناءً على درجة نظافتها أو سلامتها من التمزق.
يؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار منع إدخال العملات الورقية يهدف إلى تشديد الحصار المالي على سكان القطاع وزيادة الضغوط المعيشية عليهم. إن غياب 'الفكة' ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو أداة لتعطيل الحياة اليومية وجعل الحصول على الرغيف والمواصلات مهمة شاقة تتطلب جهداً مضاعفاً.
يطالب المواطنون في غزة الجهات الدولية والمؤسسات الحقوقية بالتدخل الفوري للضغط على سلطات الاحتلال للسماح بإدخال السيولة النقدية. ويرى السكان أن الحل الجذري يبدأ بإعادة تفعيل دور البنوك بشكل كامل وتوفير كميات كافية من الفئات النقدية الصغيرة التي تضمن استمرار عجلة الحياة.
تنعكس هذه الأزمة المالية على الحالة النفسية والاجتماعية للسكان، حيث تزداد المشاحنات اليومية في الأسواق بسبب رفض العملات المهترئة. تحول البحث عن ورقة نقدية 'سليمة' إلى همّ إضافي يضاف إلى قائمة الهموم الطويلة التي يحملها الغزيون في ظل الظروف المعيشية المتدهورة.
يبقى المشهد الاقتصادي في غزة معلقاً بين مطرقة القيود الإسرائيلية وسندان الحاجة اليومية، في انتظار حلول حقيقية تنهي مأساة 'النقود المهترئة'. وحتى ذلك الحين، يواصل المواطن الغزي ابتكار طرق للبقاء، رغم أن أوراقه النقدية أصبحت في كثير من الأحيان بلا قيمة فعلية في يديه.
المصدر:
القدس