آخر الأخبار

إيمان هريدي تطلق كتاب ذاكرة مدينة البيرة

شارك

الإعلامية الدكتورة إيمان هريدي تطلق كتابها الأول "ذاكرة مدينة البيرة.. حكايات الأرض وحراس الهوية"

مشروع ثقافي يوثق الذاكرة الشفوية للمدينة بنتاج مجموعة "ذاكرة البيرة"


في خطوةٍ ثقافيةٍ لافتة تعيد الاعتبار للذاكرة المحلية الفلسطينية، أطلقت الإعلامية والباحثة الفلسطينية الدكتورة إيمان هريدي كتابها الأول بعنوان "ذاكرة مدينة البيرة: حكايات الأرض وحراس الهوية»، بدعمٍ مادي ولوجستي من مجموعة "ذاكرة البيرة"، وهي المبادرة الثقافية التي أسستها محبة المدينة سلوى قرعان إلى جانب مجموعة من المتطوعين هم عامر عوض الله، وإسحق العسلي، وتغريد جودة، بهدف إنتاج سلسلة من الكتب التوثيقية التي تحفظ التاريخ الاجتماعي والإنساني لمدينة البيرة، وتعيد تقديمه للأجيال القادمة بصيغة أدبية حديثة.


ويمثل الكتاب باكورَة مشروع ثقافي طويل الأمد يسعى إلى إعادة بناء الذاكرة الجمعية لمدينة البيرة، ليس عبر الوثائق الرسمية وحدها، بل من خلال أصوات الناس أنفسهم، أولئك الذين عاشوا تفاصيل المدينة وتحولاتها، وشهدوا على مراحلها المختلفة منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى العقود اللاحقة.


الكتاب لا يقدّم سيرة مدينة جامدة، ولا يكتفي بتسجيل الوقائع، إنما يذهب أبعد من ذلك نحو بناء نصّ يجمع بين "التوثيق التاريخي" و"السرد الأدبي"، ليمنح المدينة روحاً تنبض من خلال أهلها، ويجعل القارئ يشعر بأنه يسير في أزقة البيرة القديمة، ويصغي إلى نبض بيوتها وحكايات ناسها.


المدينة ككائن حي

وحول فكرة الكتاب ورؤيته، تقول الدكتورة إيمان هريدي إن اختيار العنوان جاء تعبيراً عن جوهر المشروع كله:


"في هذا الكتاب، لا نتعامل مع المدينة كجغرافيا صامتة أو شوارع وأبنية، تعاملنا معها ككائن حيّ يتنفس من خلال حكايات أهلها، ويشعر بآلامهم، ويحمل في ثنايا جدرانه طبقات متراكمة من الحنين والتجارب."


وتضيف:


"كان العنوان الفرعي «حكايات الأرض» فكرة عامر عوض الله، لأن الأرض شريك أساسي في الحكاية، أما «حراس الهوية» فقد أضاف بعداً ملحمياً؛ فرؤيتنا لهؤلاء الأفراد أنهم ليسوا مجرد أسماء عابرة في سجلات التاريخ، وإنما هم الركائز التي تحمي ذاكرتنا الجمعية من الذوبان. إن هذا العمل هو فعل مقاومة ثقافية نكتبه بمداد الحب، لنقف في وجه النسيان، ونؤكد أن كل من يبني، ويعلّم، ويصمد، ويروي حكايته، هو من حراس الهوية." بهذا المعنى، يتحول الكتاب من مجرد عمل توثيقي إلى "فعل ثقافي مقاوم"، يواجه محاولات التغييب والنسيان، ويؤكد أن حفظ الحكاية الشعبية لا يقل أهمية عن حفظ الأرض نفسها.


19 شخصية ترسم ملامح المدينة

يضم الكتاب بين دفتيه سيراً وحكايات لـ 19 شخصية من أبناء مدينة البيرة، اختيروا بعناية ليكونوا شهوداً على مراحل مختلفة من تاريخ المدينة وتحولاتها الاجتماعية والثقافية والإنسانية.


وتتنوع هذه الشخصيات بين معماريين ومهندسين ساهموا في بناء المدينة، ومعلمين ومربين في صناعة العقول، ورياضيين وكشافين أسهموا في تعزيز الوعي المجتمعي، ونساء قدّمن أدواراً صامتة لكنها عميقة، ومثقفين حافظوا على المعرفة والهوية، إلى جانب شخصيات عاشت تجربة الاغتراب وظلت مرتبطة بالمدينة روحياً.


ويرتكز الكتاب على فكرة محورية مفادها أن الإنسان هو أرشيف حيّ، وأن الذاكرة ليست مخزناً للمعلومات بقدر ما هي مختبر للمشاعر؛ فالشخصيات ليست مجرد مصادر للمعرفة، وإنما أوعية تحمل الحنين، والألم، والحب، والصبر، والانتماء.


وتؤكد الدكتورة إيمان هريدي أن الهدف لا يقتصر على توثيق الأفراد، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء ذاكرة جمعية لمدينة البيرة، عبر تبني منهج «التاريخ من الأسفل» (History from Below)، وهو منهج أنثروبولوجي حديث يمنح الصوت للناس العاديين بدلاً من حصره في النخب السياسية أو الرسمية.


ومن بين الشخصيات التي يتناولها الكتاب: نعمان عبد الدايم رمز الصمود والارتباط بالأرض، ووليد حمد ومنيف طريش وإبراهيم عايش كنماذج للبناء والإعمار، والحاجة نعمة جودة التي تختصر صورة المرأة الفلسطينية الصابرة، وسهام الطويل وهشيمة الطويل اللتان تجسدان ذاكرة الحياة الريفية، وسليم البسط حارس المعرفة والثقافة الشعبية، ونديم حسان نموذج الاغتراب المرتبط بالمدينة.



كما يضم الكتاب شخصيات نسوية مؤثرة مثل هيجر وهدان، وجوليا الرفيدي، وسميرة عبد الجواد، إلى جانب شخصيات رياضية وكشفية مثل القائد عمر جميل، وإياد أبو غوش، وباسم، وإبراهيم، وماهر، ممن أسهموا في تعزيز الانتماء وبناء وعي مجتمعي يتجاوز حدود الرياضة إلى فضاء الهوية الجمعية.


من التاريخ إلى الأدب

ينتمي الكتاب إلى ما يمكن وصفه بـ «التوثيق الوجداني»، وهو أسلوب يجمع بين دقة المعلومة التاريخية ودفء السرد الإنساني. فقد اعتمدت الكاتبة على المقابلات المعمقة، والشهادات الشفوية، والروايات الشخصية، والذاكرة العائلية، والتفاصيل اليومية الصغيرة، ثم أعادت صياغة هذه المادة في قالب أدبي يوظف الوصف التفصيلي، والحوار، والسرد الذاتي والغيري، واللغة الحسية.


تقول هريدي :


"لم نشأ أن نكتفي بجمع المعلومات، إيماناً منا بضرورة إعادة إنتاجها أدبياً؛ لأن الجمع يمنحنا أرشيفاً جامداً، بينما إعادة الإنتاج تمنحنا ذاكرة حيّة. واعتمدنا على نصّ هجين يجمع بين اللغة التوثيقية واللغة الحسية، من أجل نقل الإحساس الذي عاشته الشخصيات، ليتمكن القارئ من التماهي معها."


وتوضح أن الهدف من أدبنة التاريخ الشفوي كان تقديم تاريخ أكثر قرباً من الناس، في ظل امتلاء المكتبات بالدراسات الأكاديمية التي تتناول الذاكرة والأرشيف بلغة جافة، مؤكدة أن هذا العمل سعى إلى جعل التاريخ مفهوماً ومحسوساً من خلال المزج بين اللغة التوثيقية واللغة العاطفية، بحيث لا يكتفي الكتاب بإخبار القارئ بما حدث، إنما يجعله يشعر بما حدث.


الذاكرة بوصفها مقاومة


يرى الكتاب أن الذاكرة هي شكل من أشكال المقاومة؛ فحين تُروى الحكاية يبقى الإنسان حاضراً، وحين يُكتب الاسم لا يُمحى، وحين تُحفظ التجربة تبقى المدينة حيّة. ولهذا تؤكد الكاتبة أن هذا العمل هو مقاومة للنسيان، وحماية للرواية المحلية، وتثبيت للهوية، واستعادة للإنسان الفلسطيني في صورته الحقيقية.


ثيمات الكتاب :

تقوم البنية العميقة للكتاب على عدد من الثيمات المركزية المتكررة التي تشكل رؤية العمل ورسائله.


أولاً: الطفولة


تحضر الطفولة كرسالة تؤكد أن الفلسطيني وُلد محباً للحياة، عاش الفرح، عرف اللعب، وارتبط بالتفاصيل الصغيرة. وهي بذلك لا تأتي كحنين فقط، بل كإعادة تفكيك للرواية النمطية التي اختزلت الفلسطيني في الألم.


ثانياً: التعليم


يبرز التعليم كأداة أساسية للصمود والتحرر، وليس مجرد مسار أكاديمي. فهو فعل مقاومة هادئ، ومشروع لبناء المجتمع، وسلاح ناعم يحمي المدينة ويعيد تشكيل وعيها.


ثالثاً: النكبة والنكسة


لا تُقدَّمان كحدثين تاريخيين فقط، بل كجزء من الوعي الجمعي المستمر، شكّلا ذاكرة الأجيال وأثّرا في تفاصيل الحياة اليومية، ليصبحا بنية حاضرة في الوعي لا مجرد ماضٍ منتهي.


رابعاً: الأثر


وهي الثيمة الأعمق في الكتاب، حيث تترك كل شخصية أثراً يتمثل في كلمة أو موقف أو معرفة أو قيمة أو بصمة، ليتحول الفرد إلى حامل لذاكرة جماعية ممتدة تشكل هوية المدينة وذاكرتها المشتركة.


مشروع مفتوح على المستقبل

وتؤكد مجموعة «ذاكرة البيرة» أن هذا الكتاب هو "الجزء الأول فقط" من مشروع أوسع، يهدف إلى توثيق ذاكرة المدينة على مراحل، بحيث تشمل الأجزاء القادمة المزيد من الشخصيات والحكايات.


وتقول الكاتبة:


"إلى كل من لم يجد اسمه هنا: لم تسقط الأسماء سهواً، اسمائكم محفورة في الوجدان، وما نقص اليوم سيكتمل في الأجزاء القادمة."


في ختام حديثها، شددت الدكتورة إيمان هريدي على أن هذا العمل يأتي ضمن سياق مهني وثقافي وإعلامي أوسع يهدف إلى صون الرواية الفلسطينية وتعزيز حضورها في الوعي الجمعي، مؤكدة أن انخراطها في مشروع التوثيق لا يُعد مبادرة فردية معزولة، بل امتدادًا لتجربة إعلامية تراكمت داخل فضاء الإعلام الرسمي الفلسطيني.


وقالت هريدي في هذا السياق:


"السبب الذي دفعني للكتابة هو أنني ابنة تلفزيون فلسطين، وقد حظيت باهتمام المشرف العام على الإعلام الرسمي، حيث كان العمل الإعلامي لا يقوم على أداء وظيفة فقط، وإنما على توظيف أدواته في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني وخدمة المجتمع الفلسطيني. وكانت توجيهات الدكتور عساف تتمحور حول خدمة الرواية الفلسطينية، وتثبيت سرديتنا التي تتعرض لمحاولات الطمس والتهميش، لذلك انخرطت في توثيق الذاكرة الفلسطينية، وانطلقت من محيطي في البيرة، وسنواصل توثيق ذاكرة كل فلسطيني موجود على أرض فلسطين وخارجها، وهذا عهد قطعناه على أنفسنا."


ويعكس هذا التصريح، وفق ما جاء في سياق الكتاب، انتقال المشروع من دائرة التوثيق المحلي إلى فضاء أوسع يستهدف الذاكرة الفلسطينية الجمعية، باعتبارها سردية متصلة تتجاوز الجغرافيا وتتنوع مصادرها بين الداخل والشتات، في محاولة لتعزيز حضور الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الإقصاء أو التهميش.


وفي هذا السياق، تقدّمت الدكتورة إيمان هريدي بالشكر والتقدير للسيدة سلوى قرعان، الراعي الأول للكتاب ومبادرة "ذاكرة البيرة"، على دعمها المادي واللوجستي الكامل للمشروع، بدءًا من توفير أدوات التوثيق اللازمة لتسجيل مقابلات الشخصيات، وصولًا إلى طباعة الكتاب بأحدث المواصفات الفنية رغم التكاليف المرتفعة، مؤكدة أن هذا الدعم يعكس إيمانًا عميقًا بأهمية حفظ الذاكرة المحلية وصون تراث المدينة باعتباره هدفًا وطنيًا وإنسانيًا ساميًا.


كما وجّهت شكرها إلى أعضاء مجموعة "ذاكرة البيرة"، مثمنةً الجهود اللوجستية التي قدّمتها الأستاذة تغريد جودة في متابعة وتنسيق العمل الميداني، إضافة إلى الدور الذي قام به كل من عامر عوض الله وإسحق العسلي في مراجعة التفاصيل اللغوية والتوثيقية للكتاب، بما أسهم في إخراجه بصورته النهائية الدقيقة والمتكاملة.


القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا