تعيش العائلات النازحة في قطاع غزة مأساة إنسانية متفاقمة داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث يواجه الأطفال الرضع مخاطر صحية جسيمة ناتجة عن غياب المستلزمات الأساسية. وتقف الأمهات والجدات عاجزات أمام صرخات الصغار الذين تنهش القروح أجسادهم الرقيقة بسبب استخدام بدائل بدائية وغير صحية للحفاضات التي باتت أسعارها تفوق القدرة الشرائية لمعظم الأسر.
وتشير شهادات ميدانية من داخل مراكز النزوح إلى أن سعر عبوة الحفاضات قفز من 20 شيكلاً قبل اندلاع الحرب ليصل إلى أكثر من 150 شيكلاً في الوقت الراهن، مع استمرار الارتفاع في ظل الشح الحاد في التوريدات. هذا الغلاء الفاحش أجبر العائلات التي تعيش بلا دخل مادي على شراء الحفاضات بالقطعة الواحدة، والتي يتجاوز ثمنها 10 شواكل، وهو مبلغ يرهق كاهل أرباب الأسر المنهكين أصلاً.
وفي ظل هذا الواقع المرير، تروي الجدة أم محمد أبو الكاس معاناة أحفادها الذين لا ينامون الليل من شدة الألم والجوع، حيث غطت التسلخات جلودهم جراء استخدام القماش وأكياس النايلون. وتؤكد أن غياب الحليب الصناعي وارتفاع ثمنه جعل من تربية طفل رضيع في هذه الظروف مهمة شبه مستحيلة، خاصة مع انعدام البدائل الغذائية الصحية التي يحتاجها المواليد في شهورهم الأولى.
من جانبها، تصف السيدة دنيا دلول رحلة بحثها الشاقة عن المنظفات والمراهم الطبية التي باتت مفقودة تماماً من الأسواق أو تُباع بأسعار خيالية لا يمكن توفيرها. وتقول إن غياب الماء والصابون أحال جسد طفلها إلى خارطة من الالتهابات الحادة، حيث تضطر لاستخدام بقايا القماش المتهالك والخشن الذي يزيد من سوء الحالة الجلدية للصغير في ظل انعدام الخيارات.
وتتداخل الأولويات المعيشية لدى العائلات الغزية بشكل مؤلم، حيث تجد الأسر نفسها مخيرة بين توفير العلاج للأمراض المزمنة أو شراء مستلزمات الأطفال الأساسية. سهيلة الخور، التي يعاني ابنها من مرض في القلب، تتساءل بحرقة عن كيفية الموازنة بين ثمن دواء والدهم وبين شراء حفاضات تحمي أحفادها من الإسهال والأمراض الجلدية التي تفتك بهم نتيجة التلوث.
وعلى الصعيد الطبي، حذر الدكتور غسان مطر، طبيب العائلة في جمعية حيدر عبد الشافي المجتمعية، من تدهور مرعب في الحالة الصحية العامة للأطفال بقطاع غزة. وأوضح أن نسب الإصابة بفقر الدم (الأنيميا) قفزت بشكل صادم من 10% قبل الحرب لتصل إلى نحو 70% حالياً، وهو مؤشر خطير على حجم الكارثة التغذوية التي تضرب الجيل الناشئ.
وأرجع مطر هذا الارتفاع الحاد في الإصابات إلى سوء التغذية الحاد والانهيار الاقتصادي الشامل الذي جعل العائلات عاجزة عن تأمين البروتينات والفيتامينات الضرورية. وأكد أن غياب البيض والحليب والمكملات الغذائية من موائد الغزيين أدى إلى ضعف المناعة العام لدى الأطفال، مما جعلهم عرضة للإصابة بمختلف أنواع العدوى والأمراض المرتبطة بنقص التغذية.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود التغذية، بل تمتد لتشمل ظهور أمراض جلدية جديدة ومعقدة لم تكن معهودة من قبل، نتيجة انعدام النظافة الشخصية والاكتظاظ في مراكز الإيواء. وأفادت مصادر طبية بأن غياب المناديل المبللة ومستلزمات العناية بالبشرة أدى إلى تفاقم حالات التسلخات الجلدية لتتحول إلى التهابات بكتيرية وفطرية يصعب علاجها في ظل نقص الأدوية.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن قطاع غزة استقبل أكثر من 61 ألف مولود جديد في الفترة ما بين يناير 2025 ومارس 2026. هؤلاء المواليد ولدوا في ذروة الأزمة الإنسانية، حيث يفتقر معظمهم للرعاية الصحية الأولية والتحصينات اللازمة، مما يضع مستقبلهم الصحي على المحك في ظل استمرار الحصار الخانق.
وفي سياق متصل، أكدت مصادر ميدانية أن الصحفيين والعاملين في الحقل الإنساني لا ينفصلون عن هذه المعاناة، حيث يواجهون ذات التحديات في توفير الحليب والحفاضات لأطفالهم. فخلف الكاميرات والتقارير الصحفية، تقبع قصص شخصية لأمهات صحفيات يكافحن لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات لأطفالهن المهددين بفقر الدم والأمراض الجلدية تماماً كبقية سكان القطاع.
وحذر مختصون من أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة صحية طويلة الأمد قد لا تبرأ منها أجساد هذا الجيل لسنوات قادمة، حيث أن نقص الحديد والفيتامينات في مراحل النمو الأولى يترك آثاراً دائمة على التطور الذهني والجسدي. إن الحصار المطبق الذي يمنع دخول المواد الصحية والغذائية الأساسية يمثل حكماً بالإعدام البطيء على آلاف الأطفال الذين نجوا من القصف.
ويبقى أطفال غزة محاصرين بين مطرقة الجوع وسندان المرض، في ظل صمت دولي وعجز عن إدخال المساعدات الإنسانية الضرورية التي تضمن بقاءهم على قيد الحياة. إن المشاهد القادمة من خيام النزوح تعكس واقعاً مأساوياً يتجاوز كل وصف، حيث تصبح أبسط حقوق الطفولة مثل النظافة والغذاء أحلاماً بعيدة المنال في ظل حرب الإبادة المستمرة.
المصدر:
القدس