آخر الأخبار

تأثير الحرب الإيرانية على غزة والقضية الفلسطينية: تحليل استر

شارك

تتصاعد التساؤلات حول مآلات القضية الفلسطينية في ظل الصراع المفتوح بين إسرائيل وإيران، حيث يرى مراقبون أن الاحتلال سعى بشكل حثيث لاستغلال هذه المواجهة كستار دخاني لحرف الأنظار عما يجري في قطاع غزة. ومع انشغال القوى الدولية بمتابعة الجبهات الساخنة في طهران ولبنان، وجدت تل أبيب مساحة أوسع للاستفراد بالفلسطينيين بعيداً عن الرقابة الدولية المكثفة.

لقد أدى تراجع زخم التغطية الإعلامية لقطاع غزة إلى منح حكومة نتنياهو أريحية تامة في التملص من التزاماتها الإنسانية والقانونية. فلم تشهد المعابر أي انفراجة حقيقية، وظلت المساعدات الإنسانية حبيسة القيود الإسرائيلية، مما أعاد شبح المجاعة ليخيم على القطاع من جديد رغم الحديث المتكرر عن تفاهمات التهدئة.

ميدانياً، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية في غزة، حيث استمرت عمليات الاغتيال الممنهجة التي استهدفت عناصر المقاومة والكوادر الإدارية الحكومية. كما واصلت قوات الاحتلال سياسة الأرض المحروقة عبر تفجير المربعات السكنية وهدم المنازل، مستغلة حالة الاستنفار العسكري العام في المنطقة لتبرير تصعيدها المستمر ضد المدنيين والنازحين.

على الصعيد السياسي والتشريعي، استغلت حكومة اليمين المتطرف هذه الظروف لتمرير قرارات استراتيجية خطيرة، كان أبرزها إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى. هذا التوجه العنصري تزامن مع إجراءات قمعية في القدس المحتلة شملت إغلاق المسجد الأقصى طيلة شهر رمضان وعيد الفطر، في خطوة تهدف لفرض واقع زماني ومكاني جديد.

وفي سياق الضغوط السياسية، برز الدور الأمريكي كأداة لتعظيم الضغط على فصائل المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حركة حماس. فقد طرحت واشنطن ما عُرف بـ 'ورقة ميلادينوف' التي تضمنت مطالب صريحة بنزع السلاح، مشفوعة بتهديدات بعودة الحرب الشاملة في حال رفض المقترح، وهو ما اعتبره الفلسطينيون محاولة لفرض الاستسلام.

بالتوازي مع هذه الضغوط، تترقب المنطقة نتائج المحادثات المرتقبة في باكستان، حيث يقود نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس وفداً رفيعاً لإجراء مفاوضات مع الجانب الإيراني. وتأتي هذه التحركات قبل انتهاء موعد وقف إطلاق النار الحالي المقرر يوم الأربعاء المقبل، وسط تقديرات إسرائيلية تشير إلى احتمالية فشل هذه الجهود الدبلوماسية.

الجيش الإسرائيلي من جانبه، رفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، مع فرض رقابة عسكرية صارمة على تحركات قوات الاحتياط ووحدات الدفاع الجوي. وتأتي هذه الاستعدادات في ظل رصد تحركات إيرانية استثنائية وُصفت بأنها تمهيد لهجوم محتمل، رداً على عدم شمول جبهة لبنان في اتفاقات التهدئة السابقة.

حكومة الاحتلال استغلت ظروف الحرب والانشغال بها لفرض مسارات ذات تأثير سلبي استراتيجي على القضية الفلسطينية، مستفيدة من تراجع غزة في أجندة التغطية العالمية.

رغم هذه التحديات، يرى محللون أن الحرب أفرزت نتائج قد تصب في صالح القضية الفلسطينية على المدى البعيد، أهمها تآكل قوة الردع الأمريكية في المنطقة. فقد أظهرت التطورات عجز واشنطن عن فرض إرادتها المطلقة، مما فتح الباب أمام قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا لتعزيز حضورها كبدائل استراتيجية في التوازنات الإقليمية.

فشل إسرائيل في إنهاء ما تصفه بـ 'التهديدات' في لبنان واليمن وغزة عسكرياً، يعزز من فكرة استنزاف الاحتلال على جبهات متعددة. هذا الاستنزاف الطويل الأمد يؤثر بشكل مباشر على البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية لدولة الاحتلال، ويجعل من خيار الحسم العسكري المطلق أمراً بعيد المنال في ظل صمود المقاومة.

هناك حالة من التوجس المتزايد لدى دول إقليمية كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان تجاه الطموحات التوسعية الإسرائيلية. هذه الدول باتت تدرك أن نجاح إسرائيل في تصفية القضية الفلسطينية قد يجعل منها أهدافاً تالية في مشروع الهيمنة الإقليمي، مما يخلق تقاطعاً في المصالح مع الموقف الفلسطيني الصامد.

إن حالة القلق الإقليمي من 'إسرائيل الكبرى' تمنح الجانب الفلسطيني مساحات للمناورة السياسية إذا ما أحسن إدارة المرحلة الحالية. فالمقاومة في غزة والضفة تمثل اليوم حائط الصد الأخير الذي يحمي المنطقة برمتها من الاستباحة، وهو ما يتطلب من الدول الوسيطة والضامنة مسؤولية تاريخية لتحصين الموقف التفاوضي الفلسطيني.

المفاوض الفلسطيني يواجه اليوم تحدياً مصيرياً يتمثل في ضرورة الصمود وتصليب المواقف لانتزاع استحقاقات المرحلة الأولى من التهدئة. ويجب أن يرتكز هذا الموقف على رفض أي تنازلات تمس بجوهر الحقوق الوطنية، مع التأكيد على أن إرادة الاحتلال والإدارة الأمريكية ليست قدراً محتوماً يمكن فرضه بالقوة.

في نهاية المطاف، تظل غزة هي البوصلة رغم محاولات التهميش، حيث أثبتت الأحداث أن أي استقرار إقليمي لا يمر عبر بوابة الحقوق الفلسطينية هو استقرار هش. إن ترابط الجبهات من طهران إلى غزة يؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال المحرك الأساسي للصراع في الشرق الأوسط، مهما تعددت محاولات الالتفاف عليها.

تتجه الأنظار الآن نحو ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة، سواء في أروقة المفاوضات بباكستان أو في ميدان المواجهة بقطاع غزة. وبينما يحاول نتنياهو كسب الوقت، تظل المقاومة الفلسطينية تراهن على عامل الزمن وتغير الموازين الدولية والإقليمية لكسر حلقة الحصار والعدوان المستمر.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل روسيا إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا