تستعد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لخوض غمار تجربة ديمقراطية استثنائية يوم السبت المقبل، حيث تُجرى أول انتخابات بلدية في المدينة منذ أكثر من 22 عاماً. تأتي هذه الخطوة في ظل واقع إنساني وخدماتي بالغ التعقيد فرضته الحرب المستمرة، وتصر السلطة الفلسطينية على إتمامها بالتزامن مع انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية المحتلة.
وتتنافس في هذه الانتخابات أربع قوائم انتخابية سجلت جميعها تحت صفة 'مستقلين'، وهي قوائم 'السلام والبناء'، و'دير البلح تجمعنا'، و'مستقبل دير البلح'، بالإضافة إلى قائمة 'نهضة دير البلح'. وتضم كل قائمة 15 مرشحاً، مع التزام بتمثيل نسائي لا يقل عن أربع سيدات في كل منها، حيث سيتم اختيار رئيس البلدية الجديد من بين أعضاء القائمة الفائزة.
وأفادت مصادر في لجنة الانتخابات المركزية بأن اختيار مدينة دير البلح جاء لكونها المنطقة الأقل تضرراً من الناحية الإنشائية مقارنة ببقية مدن القطاع المدمرة. ورغم ذلك، فقد عانت المدينة من ضغوط هائلة نتيجة تدفق مئات آلاف النازحين إليها، فضلاً عن تدمير مقر بلديتها واستشهاد رئيسها السابق دياب الجرو وعدد من الموظفين أواخر العام 2024.
وأوضح جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية أن هذا الاستحقاق يحمل مغزى سياسياً عميقاً يتمثل في ربط قطاع غزة جغرافياً وسياسياً بالضفة الغربية. وأشار إلى أن التمسك بالخيار الديمقراطي في هذا التوقيت هو رسالة صمود وتأكيد على وحدة المؤسسات الفلسطينية رغم محاولات الفصل والتقسيم.
ويحق لنحو 70 ألف مواطن في دير البلح الإدلاء بأصواتهم، حيث اعتمدت اللجنة 12 مركزاً انتخابياً تضم 11 محطة اقتراع ستفتح أبوابها من الصباح الباكر وحتى المساء. وتهدف هذه العملية إلى إفراز مجلس بلدي منتخب يتمتع بشرعية قانونية وشعبية تمكنه من تجنيد الأموال اللازمة لإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية.
وأكدت مصادر مطلعة أن نجاح التجربة في دير البلح قد يمهد الطريق لتعميمها في مناطق أخرى من قطاع غزة فور توفر الظروف الملائمة. وتعتبر اللجنة أن إجراء الانتخابات في مدينة واحدة حالياً هو بمثابة 'اختبار حقيقي' لقدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل في ظل الظروف القاسية التي خلفها العدوان.
وفيما يتعلق بالرقابة، كشفت اللجنة عن مشاركة ما لا يقل عن 15 هيئة رقابية محلية ودولية للإشراف على نزاهة العملية الانتخابية. ويشمل ذلك مراقبين أجانب وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، لضمان سير الاقتراع وفق المعايير القانونية والشفافية المطلوبة في مثل هذه الاستحقاقات الوطنية.
وحول التحديات اللوجستية، أشارت المصادر إلى وجود عوائق يضعها الاحتلال أمام إدخال مستلزمات العملية الانتخابية مثل صناديق الاقتراع والأحبار الخاصة. وأكدت اللجنة أنها تبحث عن بدائل محلية في حال استمرار المنع، مشددة على أن الإرادة السياسية لإنجاح الانتخابات تتجاوز العقبات التقنية.
من جانبه، يرى محللون سياسيون أن هذه الانتخابات الجزئية تمثل محاولة من السلطة الفلسطينية لاستعادة حضورها الفاعل داخل قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المخاوف من محاولات إيجاد أجسام بديلة لإدارة شؤون القطاع بعيداً عن المظلة الرسمية لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية.
ويعتقد مراقبون أن اختيار دير البلح لم يكن عشوائياً، بل استند إلى ثقل جماهيري معين وحالة من الاستقرار النسبي في بنيتها المجتمعية. فالسلطة تسعى من خلال هذه الورقة إلى إثبات شرعيتها الشعبية أمام المجتمع الدولي، والتأكيد على أنها الطرف الوحيد القادر على إدارة المؤسسات الخدمية والمدنية.
ورغم الأهمية السياسية، يشير البعض إلى أن الشارع الغزي المثقل بالجراح قد لا يضع الانتخابات على رأس أولوياته في ظل أزمة الجوع والنزوح. ومع ذلك، يظل صندوق الاقتراع هو المخرج القانوني الوحيد لترميم المؤسسات المحلية التي تهالكت بفعل سنوات الانقسام والحرب المتواصلة.
ويرى الباحث منصور أبو كريم أن الإصرار على إجراء الانتخابات يهدف إلى مواجهة مخططات فصل غزة عن الضفة الغربية سياسياً. فالتزامن في الموعد والإجراءات بين رام الله ودير البلح يعيد التأكيد على أن القطاع جزء لا يتجزأ من الولاية القانونية والسياسية للدولة الفلسطينية المنشودة.
وتأمل القوى السياسية المشاركة أن تساهم هذه الخطوة في كسر حالة الجمود السياسي وإعطاء بصيص من الأمل للمواطنين بالمشاركة في صنع القرار. كما يُنظر إليها كخطوة أولى في مسار طويل قد يؤدي في النهاية إلى انتخابات عامة تشمل الرئاسة والمجلس التشريعي والوطني.
ختاماً، تبقى انتخابات دير البلح رهينة التطورات الميدانية ومدى التزام الأطراف المختلفة بتسهيل العملية الانتخابية وحمايتها. فنجاح هذا اليوم الانتخابي سيكون بمثابة رسالة قوية للعالم بأن الشعب الفلسطيني قادر على ممارسة حقه الديمقراطي حتى في أحلك الظروف وأكثرها مأساوية.
المصدر:
القدس