تتفاقم معاناة العائلات الفلسطينية في قطاع غزة التي تكتوي بنيران عدم اليقين حول مصير أبنائها المفقودين منذ بدء العدوان. وتعيش هذه الأسر حالة من القلق الدائم في ظل غياب أي معلومات رسمية أو مؤسساتية توضح ما إذا كان ذووهم في عداد الأحياء خلف القضبان أم ارتقوا شهداء في مقابر جماعية مجهولة.
يروي الأسير المحرر إياد المصري فصولاً من رحلة البحث المضنية عن أبنائه الذين فُقد أثرهم في خضم الأحداث المتسارعة بالقطاع. وأوضح المصري أنه لم يترك مستشفى أو مقبرة جماعية إلا وفتش فيها، مؤكداً أن حسرته تزداد لكون أبنائه في سن الشباب وقد لا يحتملون قسوة التنكيل التي تعرض لها هو شخصياً خلال فترة اعتقاله.
وفي سياق متصل، تبرز قصة بدرية، زوجة ضابط إسعاف اعتُقل عند حاجز نتساريم، لتعكس حجم التضليل الذي تمارسه سلطات الاحتلال تجاه ذوي المعتقلين. فبينما أُبلغت باستشهاد زوجها في يوم اعتقاله ووُعدت بتشريح جثمانه، لا يزال الصليب الأحمر يجهل أي معلومة عن مكان وجوده أو مصير جثته حتى اللحظة.
تتمسك بدرية بالأمل رغم كل الظروف القاسية، حيث ترفض الاستسلام لفكرة الفقد النهائي طالما لم تستلم جثمان زوجها أو تتلقَ بلاغاً رسمياً قاطعاً. وتقضي الزوجة المكلومة ساعات طويلة وهي تقلب صور زوجها في هاتفها، مناشدة الجهات الدولية والمنظمات الحقوقية للتدخل والكشف عن مصير شريك حياتها.
أما على صعيد الانتهاكات الجسدية، فقد كشف الأسير المحرر جبريل الصفدي عن فظائع يندى لها الجبين تعرض لها الأسرى داخل مراكز الاحتجاز. وأكد الصفدي أن قدمه بُترت نتيجة التعذيب الممنهج والضرب المبرح الذي طال أنحاء جسده، خاصة منطقة الكلى، واصفاً كيف كان الجنود يتناوبون على ضربه بوحشية.
ولم تتوقف شهادة الصفدي عند التعذيب الجسدي التقليدي، بل تجاوزت ذلك لتؤكد وقوع حالات اعتداء جنسي واغتصاب بحق الأسرى لكسر إرادتهم. وأشار إلى أن جنود الاحتلال كانوا يعاملون المعتقلين كأدوات للتفريغ العدواني، حيث يتم تقاذفهم والاعتداء عليهم بشكل جماعي ومنظم دون أي رادع أخلاقي أو قانوني.
من جانبه، حمّلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة آلاف المختطفين والمخفيين قسرياً من قطاع غزة. واستنكرت الحركة في بيان رسمي الصمت الدولي المطبق أمام جرائم الإعدام الميداني والقتل المتعمد الذي يمارس بحق الأسرى في مراكز التحقيق والاعتقال السرية.
يأتي هذا التصعيد تزامناً مع إحياء الفلسطينيين ليوم الأسير، في ظل ظروف هي الأكثر مأساوية منذ عقود طويلة من الصراع. وتتزايد المخاوف مع إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين شنقاً، وهو ما يمثل ضوءاً أخضر لتصفية المعتقلين تحت غطاء تشريعات عنصرية ومحاكم عسكرية.
وتشير المعطيات الإحصائية الصادرة عن نادي الأسير الفلسطيني إلى وجود نحو 9600 أسير يقبعون حالياً في سجون الاحتلال وسط ظروف قاهرة. كما سجلت المؤسسات الحقوقية استشهاد 89 أسيراً منذ عام 2023، مما يؤشر على تحول السجون إلى أماكن للقتل البطيء بعيداً عن الرقابة الدولية.
وفي تطور لافت، ارتفع عدد المعتقلين الإداريين إلى 3532 معتقلاً، وهو رقم غير مسبوق يشمل نساءً وأطفالاً يُحتجزون دون تهمة أو محاكمة. ويعكس هذا الارتفاع سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال، محولاً الاعتقال الإداري إلى أداة لقمع المجتمع الفلسطيني وتغييب كوادره دون أي سند قانوني.
المصدر:
القدس