يحيي الفلسطينيون في السابع عشر من نيسان/أبريل من كل عام يوم الأسير الفلسطيني، وسط تصاعد حاد في الانتهاكات داخل سجون الاحتلال. وتخيم أجواء من الحزن الثقيل على منازل الأسرى، حيث تتعمق المعاناة مع اشتداد الإجراءات القمعية التي تفرضها مصلحة السجون الإسرائيلية بإيعاز من المستوى السياسي المتطرف.
وتشير المعطيات الصادرة عن مؤسسات الأسرى، وفي مقدمتها نادي الأسير، إلى أن سلطات الاحتلال تعتقل حالياً نحو 86 فلسطينية ضمن قائمة تضم قرابة 9600 أسير وأسيرة. ومن بين هؤلاء الأسيرات، تبرز قضية 25 معتقلة إدارياً يواجهن السجن المتجدد دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة، تحت ذريعة الملفات السرية.
وتمثل حالات اعتقال الأمهات الوجع الأكبر في المجتمع الفلسطيني، لا سيما عندما يغيب الوالدان معاً خلف القضبان. وتتضاعف آلام الأطفال الذين يجدون أنفسهم فجأة بلا أحضان دافئة، مما يترك آثاراً نفسية وجسدية بليغة على نموهم وسلوكهم اليومي في ظل غياب الرعاية الوالدية.
في قرية بيت فوريك شرق نابلس، تبرز قصة الطفلة إيلياء التي لم تتجاوز السادسة من عمرها، والتي تعيش في كنف جدها بعد اعتقال والديها مصعب وأسيل مليطات. وتعاني الطفلة من صدمة نفسية دفعتها للصمت الطويل، فضلاً عن إصابتها بمشاكل صحية كخمول الغدة ونقص الفيتامينات نتيجة الحزن والقلق المستمر.
وتروي عائلة مليطات أن إيلياء تلجأ لتأليف قصص خيالية قبل نومها لتتحدث مع والديها الغائبين، في محاولة منها لسد الفراغ العاطفي الذي تركه الاحتلال. وتتخيل الطفلة في أحلامها اليقظة أنها تتجول مع والدها في السيارة أو تحتضن والدتها، مما يعكس حجم المأساة التي يعيشها أطفال الأسرى.
أما الأسيرة أسيل مليطات، فتواجه ظروفاً صحية قاسية منذ اعتقالها في مارس 2025، حيث أفادت مصادر عائلية بأنها تعاني من كسر في رجلها اليمنى. كما فقدت الأسيرة نحو 33 كيلوغراماً من وزنها نتيجة الظروف المعيشية المتردية داخل السجون، في حين يواصل الاحتلال تجديد اعتقالها الإداري للمرة الثالثة.
وفي سياق متصل، يقبع الزوج مصعب مليطات في الاعتقال الإداري أيضاً، حيث جُددت له العقوبة لستة أشهر إضافية في أواخر شهر رمضان الماضي. ويحرم هذا الاعتقال المزدوج العائلة من أي فرصة للاستقرار، ويترك الطفلة إيلياء وحيدة تواجه مصيراً مجهولاً بعيداً عن رعاية والديها.
وانتقدت عائلات الأسرى غياب دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي توقفت عن تنظيم الزيارات منذ بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة. وتتحجج اللجنة بوجود حالة طوارئ تمنعها من أداء مهامها، مما فاقم من عزلة الأسرى وحرم ذويهم من معرفة أدنى تفاصيل عن أوضاعهم الصحية والمعيشية.
ومن نابلس إلى قرية بدو غرب القدس المحتلة، تتكرر فصول المعاناة مع عائلة الأسيرة فاطمة منصور، وهي أم لسبعة أبناء اختطفها الاحتلال قبل نحو عام. وقد ترك غياب فاطمة فراغاً كبيراً في حياة أبنائها، خاصة ابنتيها الجامعيتين اللتين اضطرتا لتحمل مسؤوليات الأمومة في سن مبكرة.
ويعبر نجلها محمد، البالغ من العمر 16 عاماً، عن قلقه العميق رغم اقتراب موعد الإفراج عن والدته، وذلك بسبب الشهادات المروعة التي ينقلها المحررون عن المجاعة والإهانات. ويؤكد محمد أن غياب والدته حرمه من التوجيه والنصح في مرحلة عمرية حرجة كان يحتاج فيها لدعمها المستمر.
ورغم مرارة السجن، وصلت للعائلة أخبار سارة تفيد بأن الأسيرة فاطمة تمكنت من حفظ القرآن الكريم كاملاً خلال فترة اعتقالها. ويترقب الأبناء لحظة معانقة والدتهم بعد عشرة أيام، آملين أن تستعيد العائلة أمانها المفقود بعودتها إلى المنزل وتجاوز هذه المحنة القاسية.
وتستذكر الابنة سميرة لحظة الاعتقال التي وصفتها بالأصعب، حيث لم تتوقع العائلة أن يمتد الغياب لعام كامل بعد محاكمات ماراثونية. وقد اضطرت سميرة لتولي مهام رعاية إخوتها بمساعدة جدتها، وافتقدت وجود والدتها في أهم لحظات حياتها الشخصية كعقد قرانها الذي تم في غياب الأم.
تظل قضية الأسيرات الفلسطينيات جرحاً نازفاً في خاصرة القضية الفلسطينية، وتتطلب تحركاً دولياً وحقوقياً عاجلاً لإنهاء سياسة الاعتقال الإداري. وتناشد العائلات كافة المؤسسات الإنسانية للضغط على الاحتلال لاستئناف الزيارات وتوفير العلاج اللازم للأسيرات المريضات قبل فوات الأوان.
المصدر:
القدس