دخل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس-الجمعة، وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن هدنة تمتد لعشرة أيام. وجاء هذا التطور بعد سلسلة من المحادثات المباشرة والنادرة التي احتضنتها واشنطن بين سفيري البلدين، في محاولة لكسر حدة التصعيد العسكري المستمر.
ومن المقرر أن تستأنف الأطراف المعنية جولة ثانية من المباحثات في البيت الأبيض خلال الأسبوعين المقبلين، بهدف صياغة إطار لاتفاق شامل ينهي الصراع. ورغم التفاؤل الذي أبدته الإدارة الأمريكية بوصف المحادثات بأنها مثمرة، إلا أن تقارير صحفية حذرت من أن هذه الهدنة قد تكون مجرد غطاء لإدارة الأزمة بدلاً من حلها.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن وقف إطلاق النار الحالي قد يمهد الطريق لاحتلال طويل الأمد في الجنوب اللبناني، على غرار ما يشهده قطاع غزة. وتستند هذه المخاوف إلى تصريحات لمسؤولين أمنيين أكدوا فيها أن جيش الاحتلال لا ينوي الانسحاب من المناطق التي توغل فيها خلال فترة الهدنة المعلنة.
في سياق متصل، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن تل أبيب تعتزم الحفاظ على سيطرتها الميدانية وصولاً إلى نهر الليطاني. وأوضح كاتس أن الخطط العسكرية تشمل تدمير القرى القريبة من الحدود لضمان عدم عودة التهديدات، مما يعزز فرضية السعي لفرض واقع جغرافي جديد.
من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح عن نية بلاده الاحتفاظ بـ 'منطقة عازلة' تمتد لستة أميال داخل الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا التوجه استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تأمين الحدود الشمالية عبر السيطرة المباشرة، بعيداً عن التفاهمات الدبلوماسية التقليدية.
ويرى مراقبون أن ما يجري في الجنوب اللبناني يتجاوز كونه مواجهة مع حزب الله، ليصل إلى سياسة 'الأرض المحروقة' التي تستهدف البنية التحتية والمدنيين. وقد كشفت تحقيقات ميدانية أجرتها مصادر صحفية عن دمار واسع لحق بالقرى الحدودية، مما يجعل عودة النازحين أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.
تاريخياً، تكرر مشهد الغزو الإسرائيلي للبنان سبع مرات خلال العقود الخمسة الماضية، بما في ذلك الاحتلال الذي استمر 18 عاماً وانتهى عام 2000. وتخشى أوساط سياسية أن يعيد التاريخ نفسه تحت مسميات أمنية جديدة تشرعن البقاء العسكري الدائم في العمق اللبناني.
على الجانب اللبناني، تواجه الحكومة معادلة معقدة في ظل الضغوط الدولية والمحلية الرامية لتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله. وقد اتخذت بيروت خطوات وصفت وغير مسبوقة، من بينها حظر الأنشطة المسلحة للحزب في مناطق معينة وتقليص النفوذ الدبلوماسي الإيراني.
ورغم هذه التحركات الرسمية، يظل الواقع اللبناني هشاً في ظل ضعف إمكانيات الجيش الوطني والمخاوف من انزلاق البلاد نحو حرب أهلية. وتفتقر الحكومة إلى الأدوات التنفيذية اللازمة لفرض سيادتها الكاملة، مما يضع أي اتفاق مستقبلي على محك الاختبار الحقيقي.
في المقابل، تنظر حكومة الاحتلال إلى اللحظة الراهنة كفرصة استراتيجية لإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة بعد إضعاف خصومها. وتُظهر استطلاعات الرأي داخل المجتمع الإسرائيلي دعماً واسعاً لاستمرار العمليات العسكرية، مما يقلص مساحة الحلول السياسية المستدامة.
وحذر باحثون مقيمون في بيروت من أن المسار الحالي للمفاوضات قد يؤدي إلى زيادة التوترات الداخلية بدلاً من تهدئتها. وأشاروا إلى أن الشروط المفروضة على الدولة اللبنانية قد تضعها في مواجهة مباشرة مع قوى سياسية وعسكرية فاعلة، مما يهدد الاستقرار الوطني.
ويرى خبراء أمنيون سابقون في تل أبيب أن الخيارات المتاحة أمام لبنان تقتصر على مسارين أحلاهما مر؛ إما القبول بالعمليات العسكرية الإسرائيلية أو مواجهة خطر الصدام الداخلي. وتبرز هذه الرؤية التصعيدية غياب الإرادة الحقيقية للوصول إلى تسوية تحترم السيادة اللبنانية.
وفي غضون ذلك، يواصل المدنيون في الجنوب اللبناني دفع الثمن الأكبر للصراع، حيث يواجهون مستقبلاً مجهولاً وسط دمار ممتلكاتهم. وتتشابه المشاهد القادمة من القرى الحدودية مع تلك التي شهدتها غزة، حيث تصبح التهدئة مجرد فاصل زمني بين جولات القتال.
يبقى مصير الجنوب معلقاً بين الوعود الدبلوماسية الأمريكية والواقع العسكري المفروض على الأرض. وإذا لم تنجح المحادثات القادمة في البيت الأبيض في وضع جدول زمني واضح للانسحاب، فإن الهدنة الحالية قد لا تكون سوى مقدمة لمواجهة أوسع وأكثر تعقيداً.
المصدر:
القدس