آخر الأخبار

القانون الفرنسي الجديد لإعادة الممتلكات الثقافية والجزائر

شارك

أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية خلال الأسبوع الجاري مشروع قانون جديد ينظم عملية إعادة الممتلكات الثقافية التي تم الاستيلاء عليها خلال الحقبة الاستعمارية. ويهدف هذا التشريع، بحسب الحكومة الفرنسية، إلى وضع إطار قانوني واضح ينهي الحاجة لإصدار قوانين خاصة لكل قطعة أثرية على حدة، مستبدلاً ذلك بآلية المراسيم الإدارية الأكثر مرونة.

ورغم الوعود الرسمية بتبسيط الإجراءات، أثار القانون موجة من الجدل في الأوساط الجزائرية، حيث اعتبرت مصادر مطلعة أن النص الجديد لا يلبي الحد الأدنى من التطلعات الوطنية. وتكمن المعضلة الأساسية في استمرار استثناء الممتلكات ذات الطابع العسكري من نطاق القانون، وهو ما يحرم الجزائر من استعادة قطع رمزية وتاريخية كبرى.

أكدت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاترين بيغار أن القانون يسعى لتحقيق فعالية أكبر في تنظيم عمليات الإعادة المستقبلية عبر معايير دقيقة تحدد مشروعية الاقتناء من عدمه. وأوضحت الوزيرة أن العملية ستخضع لاستشارة لجنتين، إحداهما علمية والأخرى برلمانية، لضمان الشفافية في اتخاذ قرارات تسليم الممتلكات للدول الأصلية.

وشهدت أروقة البرلمان الفرنسي نقاشات حادة حضرت فيها الجزائر كطرف أساسي، حيث حاول اليمين المتطرف تقييد القانون وحصره في الدول التي تجمعها بباريس علاقات 'ودية'. هذا التوجه قوبل بانتقادات من قوى سياسية أخرى رأت فيه محاولة لتسييس ملف حقوقي وتاريخي يرتبط بإنهاء آثار الحقبة الاستعمارية.

من جانبهم، أعرب نواب حزب الخضر عن خيبة أملهم لغياب مصطلح 'الاستعمار' بشكل صريح من نص القانون الجديد، معتبرين ذلك نقصاً في الاعتراف بالحقائق التاريخية. كما فشل النواب في تمرير تعديلات جوهرية كانت تهدف إلى إلغاء استثناء الممتلكات العسكرية من قائمة القطع القابلة للاسترداد من قبل دولها الأصلية.

ويبرز مدفع 'بابا مرزوق' الشهير، المعروف بـ 'لا كونسولير'، كأحد أهم النقاط الخلافية، حيث لا يزال منصوباً في ميناء مدينة بريست الفرنسية منذ مصادرته عام 1830. وتطالب الجزائر باستعادة هذا المدفع الذي كان يحمي سواحلها منذ القرن السادس عشر، إلا أن تصنيفه كـ 'غنيمة حرب' يضعه خارج مظلة القانون الجديد.

وأشار نواب فرنسيون معارضون إلى أن الأسلحة والمدافع التاريخية قد تتحول بمرور الزمن إلى ممتلكات ثقافية ذات قيمة رمزية تتجاوز وظيفتها العسكرية الأصلية. وأكدوا أن استمرار احتجاز هذه القطع يعيق مسار المصالحة التاريخية، خاصة وأن بعضها لم يشارك في أي أنشطة عسكرية مباشرة بل كان جزءاً من الهوية البصرية للمدن.

المبررات التي تقدمها فرنسا لاستثناء بعض الممتلكات الجزائرية المنهوبة من نطاق القانون تبقى غير مؤسسة قانونياً، وما جرى هو نهب لموارد شعب أعزل.

وبالإضافة إلى مدفع بابا مرزوق، يظل سيف الأمير عبد القادر المعروض في قلعة الإمبيري بمدينة سالون دو بروفانس بعيداً عن متناول القانون الجديد. وبما أن السيف يتبع رسمياً لمتحف الجيش، فإنه يظل خاضعاً لقواعد صارمة تمنع التصرف في الممتلكات العامة العسكرية، مما يعقد جهود استعادته من قبل السلطات الجزائرية.

وتواجه المطالب الجزائرية عقبات إضافية تتعلق بمقتنيات متحف 'كوندي' في شانتيي، والتي تضم أغراضاً شخصية وتاريخية صودرت من 'زمالة' الأمير عبد القادر عام 1843. هذه المجموعات تخضع لوصية دوق أومال التي تمنع أي تغيير في محتويات المتحف أو نقلها، مما يجعلها في وضع قانوني معقد لا يطاله التشريع الجديد.

وتتمسك السلطات الفرنسية بما تسميه 'مقاربة قانونية متوازنة' تحافظ على مبدأ عدم قابلية الممتلكات العامة للتصرف، خوفاً من فتح الباب أمام تفريغ المتاحف الوطنية. وتخشى باريس أن يؤدي التوسع في تعريف الممتلكات الثقافية ليشمل الغنائم العسكرية إلى تشكيك شامل في شرعية المجموعات المعروضة في متاحفها الكبرى.

في المقابل، يرى خبراء ومؤرخون أن هذا التعريف الانتقائي للتراث يهدف للالتفاف على الحقوق التاريخية للشعوب التي تعرضت للاستعمار. ويؤكد هؤلاء أن المدافع والمخطوطات والأسلحة التي نهبت في سياق حروب استعمارية غير متكافئة هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والسيادية لتلك الدول.

وفي تصريحات صحفية، وصف المؤرخ حسني قيطوني المبررات الفرنسية بأنها 'غير مؤسسة قانونياً'، معتبراً أن ما قام به الجيش الاستعماري هو عملية نهب ممنهجة. وأوضح قيطوني أن القانون الدولي يجب أن ينظر لهذه القضايا من منظور العدالة التاريخية وليس من خلال تشريعات محلية تضعها الدولة التي قامت بالاستيلاء.

وشدد قيطوني على أن تصرفات الجيش الفرنسي في عهد نابليون الثالث كانت تهدف لجمع الغنائم وعرضها كرموز للنصر في المتاحف، وهو مسار باطل قانوناً. وأضاف أن القانون الجديد يبدو في جوهره محاولة لشرعنة رفض إعادة الممتلكات المسروقة تحت غطاء إجرائي وتنظيمي يفتقر للروح الأخلاقية.

ويبقى ملف الذاكرة بين الجزائر وباريس رهيناً لهذه التجاذبات القانونية والسياسية التي تعكس صعوبة تجاوز الإرث الاستعماري المعقد. ومع صدور هذا القانون، يبدو أن الطريق نحو استعادة الرموز التاريخية الجزائرية لا يزال طويلاً وشائكاً، في ظل إصرار فرنسي على وضع خطوط حمراء حول ممتلكات الجيش.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا