في قرى جنوب لبنان، وتحديداً في بلدتي رميش وعين إبل، برزت مؤخراً ملامح علاقة مركبة بين السكان وأرضهم، تتجاوز مجرد السكن لتصل إلى مفهوم الانتماء الوجودي. جاء ذلك عقب قرارات احترازية بإخلاء بعض المراكز العسكرية، مما دفع الأهالي للتعبير عن رفضهم للفراغ الأمني، ليس من باب العناد، بل دفاعاً عن حضورهم التاريخي ومخاوفهم المشروعة على أرزاقهم ومنازلهم في ظل بيئة أمنية متقلبة.
ونقلت مصادر عن الأب نجيب الجميل في بلدة رميش، تأكيده على المزاج العام الرافض للمغادرة، مشدداً على أن وجود القوى الأمنية يمثل صمام أمان يحمي النمط الحياتي الهش أصلاً. هذا التمسك بالبقاء يعكس إرهاقاً نفسياً تراكمياً لدى السكان الذين يواجهون الأزمات المتكررة بالتمسك ببيوتهم وجيرانهم، معتبرين أن مواجهة المجهول خارج حدود قراهم أشد قسوة من البقاء تحت التهديد.
وعلى مقلب آخر من الوجع الإنساني، تبرز قصة الأطفال الخدج في قطاع غزة كشاهد على معارك البقاء. فمنذ نوفمبر 2023، ومع اشتداد الحصار وتوقف الحضانات في مستشفى الشفاء نتيجة انقطاع الكهرباء، واجه هؤلاء الرضع خطر الموت المحقق. رحلة النجاة بدأت بعمليات إجلاء طبية معقدة نحو المستشفيات المصرية، حيث استعاد بعضهم استقراره الصحي بعيداً عن أحضان أمهاتهم اللواتي حاصرتهن نيران الحرب وقلق الانتظار.
لحظات العودة واللقاء في غزة لم تكن مجرد إجراء طبي، بل كانت استعادة للأرواح؛ حيث اختلطت دموع الفرح بمرارة الفقد. ورغم رمزية هذه العودة، إلا أن التحديات لا تزال قائمة في ظل منظومة صحية متهالكة داخل القطاع، مما يجعل حق الرعاية الطبية البسيط معركة يومية مستمرة. إنها قصص تؤكد أن الولادة في مناطق النزاع ليست بداية طبيعية، بل هي دخول مبكر في صراع مرير من أجل الحياة.
المصدر:
القدس