آخر الأخبار

الأزمة اللبنانية: انقسامات طائفية وقرارات حكومية ضد حزب الله

شارك

تواجه الدولة اللبنانية الهشة اختباراً مصيرياً مع تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل وحزب الله، حيث يرى مراقبون أن الصراع الحالي هو الأكثر زعزعة للاستقرار منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. وتسببت العمليات العسكرية في تعميق الشروخ الطائفية والسياسية، خاصة مع نزوح مئات الآلاف من بيئة حزب الله نحو مناطق تقطنها طوائف أخرى تبدي توجساً من تبعات هذا الوجود.

ميدانياً، أدت الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكررة إلى نزوح ما يزيد عن مليون شخص، وهو ما يمثل نحو خُمس سكان البلاد. وتتركز حركة النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، وهي مناطق نفوذ شيعية، باتجاه مناطق مسيحية ودرزية، مما خلق حالة من التوتر الاجتماعي المشحون بالخلافات السياسية القديمة حول جدوى انخراط الحزب في حروب إقليمية.

على الصعيد السياسي، اتخذت السلطة التنفيذية خطوات غير مسبوقة، حيث أعلن الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام حظر الجناح العسكري لحزب الله. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل شملت الدعوة لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل ومطالبة السفير الإيراني بمغادرة بيروت، في تحول جذري لموازين القوى الداخلية.

ورد حزب الله بلهجة تصعيدية على هذه القرارات، حيث شبه القيادي في الحزب محمود قماطي الحكومة الحالية بـ 'حكومة فيشي' التي تعاونت مع الاحتلال النازي في فرنسا. وأكد قماطي في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً قدرة الحزب على 'قلب البلد والحكومة'، رغم إشارته لاحقاً إلى أن الحزب يفضل الهدوء والصبر في التعامل مع الداخل اللبناني.

من جانبه، حذر النائب الدرزي وائل أبو فاعور من أن الخطاب العدائي المتزايد بين الأطراف اللبنانية يهدد الاستقرار الداخلي بشكل جدي. وأشار إلى أن التوترات الناتجة عن ملف النزوح والانقسام حول قرار الحرب والسلم تحولت إلى مادة دسمة للسجالات السياسية التي قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.

وفي السياق الميداني، كشفت مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي يعتمد استراتيجية تهدف إلى عزل المكونات الطائفية، حيث صدرت أوامر الإخلاء للقرى الشيعية فقط في الجنوب. وأكد مسؤول عسكري إسرائيلي أن القرى المسيحية لا تزال مأهولة ولم تستهدف، وهو ما يراه سياسيون لبنانيون محاولة متعمدة لإثارة الفتنة الطائفية ودفع النازحين نحو مناطق الصدام.

ووصف مسؤولون أجانب أزمة النزوح بأنها 'قنبلة موقوتة' قد تنفجر في حال طال أمد الحرب ومنع النازحون من العودة إلى ديارهم. وتزداد المخاوف من سعي إسرائيل لإنشاء منطقة أمنية دائمة تصل إلى نهر الليطاني، مما يعني تهجيراً طويل الأمد لمئات الآلاف من السكان، وهو ما لا تملك البنية التحتية اللبنانية القدرة على استيعابه.

لبنان يمر بمرحلة انتقالية، والتعايش بين الدولة وسلاح حزب الله المستمر منذ عقود يقترب من نهايته بطريقة أو بأخرى.

النائب المسيحي المعارض نديم الجميل دعا الحكومة إلى ضرورة نزع سلاح حزب الله فوراً لإنهاء الحرب وحماية ما تبقى من الدولة. وأعرب الجميل عن قلقه من أن بقاء القوات الإسرائيلية لفترة طويلة في الجنوب سيؤدي إلى كارثة وطنية، مشدداً على أن لبنان لم يعد قادراً على تحمل تبعات سياسات الحزب المرتبطة بالأجندات الخارجية.

في المقابل، يرى النائب عن حزب الله حسن فضل الله أن بعض الأطراف اللبنانية تتعامل مع الأزمة الإنسانية للنازحين بـ 'منطق طائفي' ضيق. وأكد فضل الله أن هذه المرحلة مؤقتة وسيتجاوزها الحزب بمجرد وقف العدوان وعودة السكان إلى قراهم، معتبراً أن الأولوية القصوى الآن هي لمواجهة الهجوم الإسرائيلي قبل الالتفات للملفات الداخلية.

وشهدت مناطق شمال بيروت احتكاكات ميدانية، حيث طالب سكان في مناطق ذات أغلبية مسيحية النازحين بالمغادرة عقب سقوط شظايا صواريخ اعتراضية. كما واجهت محاولات إقامة مراكز إيواء في حي الكرنتينا اعتراضات سياسية حادة، مما دفع رئاسة الحكومة لتحويل الموقع إلى مخزن للمساعدات بدلاً من مأوى للنازحين لتجنب الصدام.

وفي أحياء أخرى مثل الدكوانة، تحاول السلطات المحلية موازنة الجانب الإنساني مع الهواجس الأمنية عبر إجراءات تدقيق صارمة في هويات المستأجرين الجدد. وأفادت مصادر محلية بأن البلديات تقوم بإرسال بيانات النازحين إلى الأجهزة الأمنية للتحقق من عدم وجود ملاحقين أو أهداف محتملة للغارات الإسرائيلية بينهم.

وتشير تقارير دبلوماسية إلى وجود مقترح أمريكي يتألف من 15 نقطة يهدف لإنهاء الصراع، ويتضمن بنوداً تتعلق بقطع التمويل الإيراني عن الفصائل المسلحة. ويبدو أن هذا المقترح يتقاطع مع رغبة حكومية لبنانية في استعادة سيادة الدولة على قرار الحرب والسلم، وهو ما يرفضه حزب الله جملة وتفصيلاً في الوقت الراهن.

ويرى النائب آلان عون أن الصيغة التي حكمت لبنان لعقود، والقائمة على التعايش بين الدولة وسلاح الحزب، قد وصلت إلى نهايتها المسدودة. وأوضح أن نتائج الحرب الحالية هي التي ستفرض الشروط النهائية للنظام السياسي القادم، وسط ترقب دولي وإقليمي لما ستسفر عنه المواجهات الميدانية في الجنوب.

ختاماً، يبقى لبنان معلقاً بين مطرقة الغارات الإسرائيلية المدمرة وسندان الانقسام الداخلي الذي يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي. ومع استمرار سقوط الضحايا وتزايد أعداد المشردين، تبدو الحلول السياسية بعيدة المنال في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الجذرية تجاه سلاح المقاومة ودور الدولة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا