آخر الأخبار

تحليل فورين أفيرز لحرب ترامب على إيران وتداعياتها الاستراتيج

شارك

كشف تحليل نشرته مجلة 'فورين أفيرز' عن فجوة عميقة بين الادعاءات البراغماتية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وواقع تنفيذ سياسته الخارجية على الأرض. وأشارت الباحثتان ريبيكا ليسنر وميرا راب-هوبر إلى أن الحرب الحالية ضد إيران أظهرت نهجاً يعتمد على القوة المفرطة والإكراه بعيداً عن الانضباط الاستراتيجي الذي تفرضه المدرسة الواقعية.

وعلى الرغم من محاولات فريق ترامب تصوير تحركاته العالمية كجزء من 'واقعية مرنة' مستوحاة من التقاليد الفكرية الكلاسيكية، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك تماماً. فالمدرسة الواقعية التي تنبذ المثالية وتركز على حماية المصالح الوطنية الصارمة، تجد نفسها اليوم في تضاد مع قرارات الإدارة التي جرت واشنطن إلى صراع إقليمي غير محسوم النتائج.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الحرب، التي دخلت يومها السادس والعشرين، كلفت الخزينة الأمريكية ما لا يقل عن 20 مليار دولار حتى نهاية مارس الجاري. ويأتي هذا الإنفاق الضخم في وقت تعاني فيه الإدارة من غياب رؤية واضحة حول كيفية تحويل هذه القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة أو استقرار مستدام في المنطقة.

لقد أدت الضربات المستمرة إلى استنزاف الذخائر الحيوية ونقل الأصول الاستراتيجية، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات، من مناطق حيوية أخرى. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يضعف جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة تحديات أكبر في المحيطين الهندي والهادئ، مما يقوض الردع الاستراتيجي أمام قوى كبرى مثل الصين وروسيا.

وفي تناقض صارخ مع وعوده الانتخابية بإنهاء 'الحروب التي لا تنتهي'، تبنى ترامب هدف 'تغيير النظام' في طهران كمحور أساسي لحملته العسكرية. هذا التوجه يرفضه المفكرون الواقعيون الذين يرون أن تكاليف تغيير الطبيعة الداخلية للدول غالباً ما تكون باهظة وتؤدي إلى فوضى جيوسياسية لا تخدم المصالح القومية.

ميدانياً، تسببت الحرب في شلل شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث تراجعت حركة الشحن بنسبة وصلت إلى 97%. هذا التعطل لم يؤثر فقط على إمدادات الطاقة العالمية، بل أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة للمنطقة العربية قدرت بنحو 63 مليار دولار خلال أسبوعين فقط من القتال.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أفادت مصادر بأن ترامب أبدى رغبة مفاجئة في التفاوض عبر إعلانه وقف الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام. وقد جاءت هذه الإشارة بعد تلقي مبعوثه ستيف ويتكوف موافقة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على بدء محادثات، في محاولة لاحتواء التصعيد الذي خرج عن السيطرة.

إن إشعال حرب إقليمية في الشرق الأوسط دون مبرر مقنع أو نظرية واضحة لتعزيز مصالح الولايات المتحدة يتعارض بشكل صارخ مع المبادئ الأساسية للواقعية السياسية.

داخلياً، يواجه ترامب ضغوطاً شعبية متزايدة مع تراجع نسبة تأييده إلى 36%، حيث يعارض 61% من الأمريكيين استمرار العمليات العسكرية. ويبدو أن الناخب الأمريكي الذي صوت لترامب بناءً على وعود 'أمريكا أولاً' والابتعاد عن التدخلات الخارجية، بات يشعر بالخديعة جراء الانخراط في صراع شرق أوسطي جديد.

وتؤكد التقارير أن الإدارة الأمريكية اندفعت نحو الصراع دون تقدير دقيق لديناميكيات التصعيد، حيث تأخر إخلاء الدبلوماسيين من المنطقة حتى بدأت الأعمال العدائية فعلياً. كما أبدى الرئيس تفاجؤه من الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية، وهو ما يعكس غياب التنسيق بين الأهداف العسكرية والتداعيات الاقتصادية الكلية.

قطاع الطيران الإقليمي نال نصيبه من الخسائر أيضاً، حيث تم إلغاء أكثر من 18,400 رحلة جوية في تسعة مطارات رئيسية بالمنطقة. هذه الخسائر التي بلغت 1.9 مليار دولار تعكس حجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية نتيجة لقرار الحرب الذي وُصف بالمتهور وغير المدروس.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر أن مدير الموساد دافيد برنياع قدم خططاً لنتنياهو تزعم أن استهداف القيادات الإيرانية سيؤدي إلى تمرد شعبي وسقوط النظام. ويبدو أن هذه التقديرات الاستخباراتية، التي تبنتها دوائر مقربة من ترامب مثل جاريد كوشنر، هي التي دفعت نحو التصعيد العسكري الحالي وتجاوز خيارات الدبلوماسية.

إن مفهوم 'الواقعية المرنة' الذي تروج له استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 يبدو وكأنه غطاء لتبرير استخدام القوة دون قيود قانونية أو دولية. فالتصريحات التي تصف العالم بأنه محكوم فقط بـ 'قوانين القوة والإكراه' تتجاهل أهمية التحالفات والقانون الدولي في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية طويلة الأمد.

وبدلاً من التركيز على التنافس الاستراتيجي مع الصين، وجدت واشنطن نفسها غارقة في رمال الشرق الأوسط مرة أخرى، مما منح بكين فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي. هذا التشتت الاستراتيجي هو بالضبط ما حذر منه الواقعيون الحقيقيون الذين يدعون إلى تجنب 'التوسع المفرط' الذي يستنزف موارد الدولة وقوتها.

ختاماً، تمثل حرب ترامب على إيران فرصة للقوى السياسية الأمريكية لإعادة تقييم مسار السياسة الخارجية والعودة إلى نهج أكثر انضباطاً. فالطلب الشعبي على سياسة خارجية عملية تحترم القيود المالية والسياسية بات ضرورة ملحة لاستعادة احترام الولايات المتحدة ومكانتها في نظام دولي يزداد تعقيداً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا