يستعد العالم الإسلامي لاستقبال عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ (2026م)، والذي يتزامن غُرته مع يوم الجمعة الموافق العشرين من مارس. هذا التزامن الزمني أعاد إلى الواجهة نقاشاً فقهياً واسعاً حول حكم إقامة صلاة الجمعة لمن أدى صلاة العيد في صبيحة اليوم نفسه، وسط تباين في الفتاوى الرسمية الصادرة عن الهيئات الشرعية العربية.
تاريخياً، انقسم الفقهاء المسلمون في هذه المسألة إلى اتجاهين رئيسيين؛ حيث يرى جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية أن صلاة الجمعة فرض عين لا يسقط بأداء السنة. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الجمعة فريضة مستقلة بذاتها ولها وقتها وشروطها، ولا تداخل بينها وبين صلاة العيد التي تُصنف كسنة مؤكدة أو فرض كفاية.
في المقابل، يتبنى فقهاء المذهب الحنبلي رأياً مغايراً يمنح الرخصة لمن شهد صلاة العيد في ترك صلاة الجمعة، والاكتفاء بأداء صلاة الظهر بدلاً عنها. ويستند هذا المذهب إلى آثار مروية عن الصحابة الكرام، من بينها رخصة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه لأهل العوالي الذين كانوا يقطنون بعيداً عن المسجد النبوي.
وفي المملكة العربية السعودية، أوضح المفتي العام الشيخ صالح الفوزان أنه في حال وافق العيد يوم الجمعة، فإن الرخصة تشمل من حضر صلاة العيد بترك الجمعة والاكتفاء بالظهر. ومع ذلك، شدد الفوزان على ضرورة إقامة صلاة الجمعة في المساجد من قبل الأئمة لاستقبال من لم يشهد العيد أو من يرغب في تحصيل فضل الجمعة.
أما في الأردن، فقد جاء موقف دائرة الإفتاء العام أكثر حزماً بوجوب أداء الصلاتين معاً، معتبرة أن صلاة العيد لا تجزئ عن فرض الجمعة. ودعت الدائرة المواطنين إلى الأخذ بالأحوط والأبرأ للذمة، واصفة القول بسقوط الظهر عمن صلى العيد بأنه رأي مرجوح لا ينبغي العمل به في الفتوى العامة.
دار الإفتاء المصرية تبنت موقفاً وسطياً، حيث أكدت أن الأصل هو إقامة الجمعة في المساجد كالمعتاد، لكنها أجازت الترخص بتركها لمن صلى العيد جماعة. واشترطت الفتوى المصرية على من يترك الجمعة أن يؤدي صلاة الظهر في وقته، مؤكدة أن الأكمل والأفضل هو الجمع بين الصلاتين لمن استطاع.
وفي فلسطين، أصدر المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين فتوى توازن بين التيسير والاحتياط، حيث أباح لمن صلى العيد أداء الظهر بدل الجمعة في حالات العسر والمشقة. وأكد المفتي أن أداء الجمعة يظل هو الخيار الأفضل والأولى خروجاً من الخلاف الفقهي وحرصاً على شعائر الإسلام.
مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أشار إلى أن المسألة تندرج ضمن المسائل الخلافية المعتبرة، لكنه اعتمد القول بوجوب إقامة كل صلاة في وقتها المستقل. واستند المجلس في ذلك إلى القياس الفقهي الذي يرى أن العبادات المستقلة لا يسقط بعضها بعضاً، وهو ما يتوافق مع مذهب جمهور العلماء.
وفي الكويت، اتجهت إدارة الإفتاء نحو التيسير، حيث أوضحت في منشوراتها الرسمية أن من صلى العيد يُرخص له بترك الجمعة وأداء الظهر. ورغم هذه الرخصة، أكدت الإدارة أن الأخذ بالأحوط والجمع بين الصلاتين يبقى هو المسلك الأفضل للمسلم الحريص على دينه.
سلطنة عمان، وعبر مكتب المفتي العام الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، أكدت بوضوح أن صلاة الجمعة واجبة ولا تسقط بحال من الأحوال حتى لو وافقت يوم العيد. وأوضحت الفتوى العمانية أن الفريضة لا تسقط بالسنة، وهو ما ينسجم مع المذهب الإباضي السائد في السلطنة والذي يشدد على عظم شأن صلاة الجمعة.
وفي دول المغرب العربي كالجزائر والمغرب وتونس، يغلب المذهب المالكي الذي يعد الأكثر تشدداً في وجوب صلاة الجمعة، حيث ترى الهيئات الدينية هناك أن اجتماع العيد والجمعة لا يغير من أصل الوجوب شيئاً. وتؤكد هذه الهيئات على ضرورة سعي المسلمين إلى المساجد مرتين في ذلك اليوم لتعظيم الشعائر.
أما في سوريا، فقد أشار مجلس الإفتاء الأعلى إلى أن السعي إلى الجمعة أمر عام بنص القرآن الكريم ولا يُستثنى منه يوم العيد إلا لأصحاب الأعذار. ورغم إشارته لوجود آراء تجيز الرخصة، إلا أن المجلس رجح عملياً الأخذ بقول الجمهور لضمان أداء الفرائض في أوقاتها المحددة.
وفي ليبيا، قدم المفتي العام الصادق الغرياني فتوى تفتح باب الرخصة لمن يقطنون في أماكن بعيدة عن المساجد الكبرى ويجدون مشقة في العودة مرة أخرى. واستند الغرياني في ذلك إلى مراعاة أحوال الناس وظروفهم، مع بقاء أصل الوجوب قائماً لمن تيسر له الحضور دون مشقة بالغة.
ختاماً، يظهر التباين الفقهي في هذه المسألة كنوع من التوسعة على المسلمين، حيث تتراوح الفتاوى بين العزيمة والرخصة بناءً على المذاهب المتبعة في كل دولة. ويبقى الإجماع منعقداً على أن من لم يشهد صلاة العيد، تظل صلاة الجمعة في حقه فرض عين لا يسقط بأي حال من الأحوال.
المصدر:
القدس