آخر الأخبار

كعك العيد في غزة: صمود فوق الأنقاض وتحدي لارتفاع الأسعار

شارك

تفوح روائح الكعك والمعمول من بين ركام المنازل المدمرة في شمال قطاع غزة، حيث تنهمك الستينية سميرة تومان في وضع اللمسات الأخيرة على صواني العيد. تعمل الأم لسبعة أبناء بجد رفقة بناتها وزوجة ابنها، في محاولة لاستعادة طقوس الفرح رغم مرارة الفقد والدمار الذي طال منزلهم.

تعد هذه الأيام هي الأولى التي يستعد فيها سكان القطاع لاستقبال عيد الفطر بعد فترة طويلة من العدوان الذي بدأ في أكتوبر الماضي. وتعجن سميرة الدقيق بعناية فائقة، بينما تتولى ابنتها تجهيز كرات التمر الممزوجة بالسمسم، في مشهد يجسد الإصرار على الحياة وسط الحطام.

أمام فرن متوهج يشتعل بنار الحطب، تتناوب أفراد العائلة على عملية الخبز الشاقة التي تتطلب صبراً كبيراً. وتضطر العائلة لاستخدام الحطب وبقايا الأثاث الخشبي المجمع من المنازل المهدمة كبديل لغاز الطهي المفقود تماماً من الأسواق المحلية منذ أشهر.

تصف سميرة حالها وهي تمسح العرق عن جبينها أمام التنور، مؤكدة أن هذا الموسم هو موسم البركات رغم أن الاحتفالات لم تعد كما كانت قبل الحرب. فقد كانت في السابق تخبز كميات ضخمة حتى فجر يوم العيد، أما اليوم فالجهد مضاعف والإمكانيات محدودة للغاية.

لا يقتصر إنتاج العائلة على استهلاكها الشخصي، بل تحول الأمر إلى مصدر رزق بسيط من خلال تلبية طلبات الجيران والزبائن. ويساعد هذا العمل العائلة في توفير بعض المال لمواجهة متطلبات الحياة القاسية قبل حلول العيد، رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة.

وتشير سميرة إلى أن الإقبال على شراء الكعك لا يزال جيداً رغم الارتفاع الجنوني في أسعار المكونات الأساسية. فالناس في غزة يبحثون عن أي وسيلة لاستعادة طعم الفرح المسلوب، ويعتبر الكعك جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية للفلسطينيين.

لقد تسبب إغلاق المعابر المتكرر في نقص حاد في الطحين والسميد والسكر والسمن، مما أدى لقفزات سعرية غير مسبوقة. وتقول سميرة إن هناك دائماً ما ينغص الفرح في غزة، حيث تبقى السعادة ناقصة ومحاصرة بالقيود والظروف السياسية المعقدة.

لقد نسينا معنى العمل في المطبخ بنظام وكرامة ونظافة، أصبح الطبخ والعمل الآن مرتبطين بالسخام والنار.

تتذكر سميرة بحسرة مشروعها المنزلي الذي كانت تديره عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل اندلاع الحرب الأخيرة. فقد كان لديها مطبخان مجهزان بأحدث الأدوات الكهربائية، وكانت قادرة على إعالة أسرتها بكرامة قبل أن يتبدد كل ذلك تحت القصف.

الآن، تبدأ العائلة من الصفر، حيث تحول العمل المنظم والنظيف إلى صراع يومي مع السخام والدخان والنار البدائية. ويقوم ابنها بتكسير قطع الأثاث التي جمعها من تحت الأنقاض لتوفير الوقود اللازم لاستمرار عمل الفرن اليدوي وسط ظروف صحية صعبة.

ويواجه سكان القطاع معضلة حقيقية بين الحفاظ على تقاليد العيد وبين توجيه ميزانياتهم المحدودة لتوفير الغذاء اليومي الأساسي. فقد أدى تدهور القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى جعل أبسط مظاهر الاحتفال عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل الأسر.

عانت عائلة سميرة من رحلة نزوح مريرة، حيث اضطروا لترك منزلهم في الشمال والتوجه إلى مواصي خان يونس في سبتمبر الماضي. ولم تعد العائلة إلى ديارها إلا قبل شهر واحد فقط، لتجد نفسها تعيش وسط ركام يفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.

تصف سميرة العودة إلى الشمال بأنها كانت صعبة، فالعيش وسط الأنقاض وبدون بنية تحتية أو مياه صالحة للشرب يقتل بهجة الرجوع. ومع ذلك، رضخت لرغبة أطفالها وعائلتها في العودة إلى أرضهم بدلاً من البقاء في خيام النزوح المتهالكة.

وتعبر السيدة الستينية عن خشيتها المستمرة من عدم استقرار الأوضاع الأمنية، خاصة مع استمرار الانتهاكات والقيود على المعابر. وتؤكد أن تدفق البضائع لا يزال غير مستقر، مما يجعل السكان يشعرون وكأنهم يعيشون في فراغ بانتظار المجهول.

رغم كل هذه الهموم، تحاول ابنة سميرة زرع التفاؤل في قلب والدتها، وتطلب منها التوقف عن الحديث في السياسة والتركيز على بهجة العيد. تبتسم سميرة بحزن وتتمنى أن يحمل العيد أياماً أفضل، وأن تنتهي معاناة غزة مع الحصار والدمار والأسعار المرتفعة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا