كشفت مصادر مطلعة عن إعداد الحكومة الفرنسية مقترحاً شاملاً يهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية المستمرة في لبنان، ويتضمن بنوداً غير مسبوقة تطلب من الدولة اللبنانية الاعتراف رسمياً بإسرائيل. وأوضحت المصادر أن هذا الإطار الدبلوماسي يهدف إلى خفض التصعيد ومنع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، مع ممارسة ضغوط دولية لنزع سلاح حزب الله.
وتقوم الدوائر السياسية في تل أبيب وواشنطن حالياً بدراسة تفاصيل المقترح الفرنسي، الذي يُنظر إليه كمدخل لاتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من العداء. وبحسب التقارير، فإن الحكومة اللبنانية أبدت قبولاً مبدئياً بالخطة كقاعدة للمفاوضات، مدفوعة بالمخاوف من اتساع رقعة الدمار الذي قد يلحق بالبلاد جراء استمرار العمليات العسكرية.
في المقابل، تشير المعلومات الواردة من مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين إلى أن جيش الاحتلال يخطط لتوسيع نطاق عملياته البرية بشكل كبير في العمق اللبناني. وتهدف هذه الخطط إلى السيطرة الكاملة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وتفكيك ما تصفه تل أبيب بالبنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في تلك المناطق.
وحذر مراقبون من أن هذا التصعيد قد يمثل أكبر غزو بري إسرائيلي للأراضي اللبنانية منذ عام 2006، مما قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع تشمل أطرافاً إقليمية أخرى. ونقلت مصادر عن مسؤول إسرائيلي رفيع تهديدات بتكرار سيناريو غزة في لبنان، عبر تدمير المباني والمنشآت التي يُشتبه في استخدامها لتخزين الأسلحة.
ووفقاً للمقترح الفرنسي، من المقرر أن تبدأ مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب بدعم فرنسي وأمريكي مكثف، للوصول إلى إعلان سياسي مشترك في غضون شهر واحد. وستنطلق هذه المباحثات على مستوى كبار الدبلوماسيين والخبراء قبل أن تنتقل في مراحلها المتقدمة إلى مستوى القادة السياسيين لضمان الالتزام الكامل بالاتفاق.
وأعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استعداد باريس لتسهيل هذه المحادثات واستضافتها، مؤكداً أن القيادة اللبنانية أظهرت انفتاحاً على الحوار المباشر. ودعا ماكرون الجانب الإسرائيلي إلى اغتنام هذه الفرصة التاريخية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار يضمن سيادة لبنان وأمن المنطقة بشكل مستدام.
ويتضمن جوهر المقترح اعترافاً لبنانياً مبدئياً بدولة إسرائيل، مع التزام واضح باحترام سيادتها ووحدة أراضيها وفقاً للمواثيق الدولية. كما يؤكد الطرفان التزامهما بقرار مجلس الأمن رقم 1701، بالإضافة إلى تفاهمات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها خلال العام الجاري لضمان استقرار الحدود.
وتتعهد الحكومة اللبنانية بموجب هذه الخطة بمنع أي هجمات تنطلق من أراضيها باتجاه إسرائيل، مع البدء الفوري في تنفيذ خطة وطنية لنزع سلاح حزب الله وحظر أنشطته العسكرية. ويشمل ذلك إعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية في منطقة جنوب الليطاني لتكون القوة الوحيدة المخولة بحمل السلاح في تلك المنطقة.
وفي المقابل، تلتزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها منذ بداية العمليات العسكرية الحالية في غضون شهر من توقيع الاتفاق. وستخضع عملية الانسحاب والترتيبات الأمنية اللاحقة لرقابة دقيقة لضمان عدم حدوث أي خروقات ميدانية قد تؤدي إلى تجدد الصراع المسلح بين الطرفين.
وستعتمد الخطة على آلية مراقبة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لمعالجة أي انتهاكات محتملة لوقف إطلاق النار والتعامل مع التهديدات الوشيكة. وستتولى قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) مهمة التحقق من خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح، بينما يشرف تحالف دولي بتفويض أممي على نزع السلاح في بقية المناطق.
وينص المقترح أيضاً على إعلان لبنان استعداده لفتح مفاوضات رسمية تهدف لتوقيع اتفاقية 'عدم اعتداء' دائمة مع إسرائيل خلال شهرين من بدء المسار. ومن شأن هذه الاتفاقية أن تنهي حالة الحرب الرسمية القائمة بين البلدين منذ عام 1948، وتلزم الطرفين بحل كافة النزاعات المستقبلية عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية.
وبعد التوقيع على اتفاقية عدم الاعتداء، ستبدأ إسرائيل بالانسحاب من خمسة مواقع استراتيجية في جنوب لبنان تسيطر عليها قواتها منذ نوفمبر 2024. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من إجراءات بناء الثقة التي تهدف إلى تطبيع الأوضاع الأمنية على جانبي الحدود الدولية المعترف بها.
وتشمل المرحلة النهائية من المبادرة الفرنسية البدء في عملية شاملة لترسيم الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان، بالإضافة إلى معالجة ملف الحدود اللبنانية السورية. ويهدف هذا المسار إلى الانتهاء من كافة النزاعات الحدودية بحلول نهاية عام 2026، مما يغلق الباب أمام أي ذارئع لتجدد التوترات العسكرية.
ويرى خبراء أن الخطة الفرنسية تمثل محاولة أخيرة لتفادي حرب شاملة قد تؤدي إلى انهيار الدولة اللبنانية بالكامل وتغيير وجه المنطقة. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة بشأن قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ بنود نزع السلاح، ومدى جدية الجانب الإسرائيلي في الالتزام بجدول الانسحاب المقترح.
المصدر:
القدس