كشفت مصادر صحفية دولية عن تحركات مكثفة يقودها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي وكبير مفاوضي واشنطن في الشرق الأوسط، لجمع مبالغ مالية ضخمة لشركته الاستثمارية الخاصة 'أفينيتي بارتنرز'. ووفقاً لتقارير مطلعة، يسعى كوشنر للحصول على 5 مليارات دولار أو أكثر من حكومات وصناديق سيادية في المنطقة، وهو ما يثير انتقادات واسعة حول استغلال المنصب الرسمي لتحقيق مكاسب تجارية.
وأفادت مصادر بأن ممثلي شركة 'أفينيتي' عقدوا اجتماعات مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يعد المستثمر الأكبر والأقدم في الشركة. ويرتبط الصندوق، الذي يرأسه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بعلاقات وثيقة مع كوشنر منذ ولاية ترامب الأولى، حيث ضخ الصندوق سابقاً نحو ملياري دولار في استثمارات الشركة بعد مغادرة كوشنر للبيت الأبيض في المرة الأولى.
وتشير الاتفاقيات القائمة بين الطرفين إلى منح الجانب السعودي الأولوية في الاستثمار خلال أي جولات تمويل لاحقة تقوم بها الشركة. ومن المتوقع أن تشمل حملة جمع الأموال الحالية صناديق الثروة السيادية في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، حيث سبق لهذه الصناديق أن استثمرت في مشاريع تابعة لكوشنر، ومن المرجح أن تستمر هذه الحملة طوال العام الجاري.
تأتي هذه التحركات المالية في وقت حساس يشغل فيه كوشنر منصب 'مبعوث السلام' للرئيس ترامب، حيث التقى مؤخراً بوزير الخارجية الإيراني في جنيف. وقد لفت مراقبون إلى أن هذه اللقاءات الدبلوماسية لم تسفر عن اتفاق بشأن البرنامج النووي، وأعقبها بفترة وجيزة بدء حملة قصف أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية، مما يعقد المشهد السياسي المحيط بتحركاته.
وعلى الرغم من تصريحات كوشنر السابقة في ديسمبر 2024، والتي أكد فيها أنه سيتجنب جمع أي رأس مال خلال السنوات الأربع المقبلة لمنع تضارب المصالح، إلا أن الواقع يشير إلى تغيير جذري في هذا التوجه. فقد أظهرت وثائق داخلية للشركة أن كوشنر استغل تواجده في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا ضمن الوفد الرسمي الأمريكي لمناقشة خططه الاستثمارية مع قادة أعمال دوليين.
وفي دافوس، كشف كوشنر النقاب عن خطة الإدارة الأمريكية لما وصفه بـ 'غزة جديدة'، وهو مشروع سياسي واقتصادي يهدف لإعادة صياغة مستقبل القطاع. وبالتوازي مع هذه الطروحات الرسمية، كان كوشنر يعقد اجتماعات خاصة تهدف لتعزيز الملاءة المالية لشركته، مما يعزز الاتهامات بتداخل المهام الدبلوماسية مع الأنشطة الربحية الخاصة.
وتشير البيانات المالية لشركة 'أفينيتي بارتنرز' إلى أنها أنفقت بالفعل أكثر من ثلاثة أرباع رأس مالها الذي جمعته منذ التأسيس، والبالغ 5 مليارات دولار. وقد تركزت هذه الاستثمارات في قطاعات حيوية، من بينها الاستحواذ على حصص في شركة 'فينيكس فاينانشال' الإسرائيلية للتأمين، بالإضافة إلى شركة 'ريفولوت' الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا المالية.
وتدعي الشركة في موادها الترويجية للمستثمرين أنها حققت عائداً داخلياً يقدر بنحو 25% منذ انطلاق أعمالها في عام 2021. ويعد كوشنر، الذي ينتمي لعائلة تعمل في القطاع العقاري، وافداً جديداً نسبياً على عالم الأسهم الخاصة، لكنه استطاع بناء محفظة استثمارية ضخمة في وقت قياسي اعتماداً على شبكة علاقاته السياسية الواسعة.
وقد أثارت هذه الأنشطة حفيظة منظمات الرقابة الحكومية في واشنطن، التي ترى في سلوك كوشنر انتهاكاً للمعايير الأخلاقية للخدمة العامة. وطالبت منظمة 'مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق' البيت الأبيض بضرورة إخضاع كوشنر لقواعد إفصاح مالي صارمة تماثل تلك المفروضة على موظفي الخدمة المدنية الدائمين، لضمان عدم استغلال السياسة الخارجية لمصالح شخصية.
وحتى اللحظة، لم يصدر أي تعليق رسمي من البيت الأبيض حول هذه المطالبات أو حول طبيعة التداخل بين دور كوشنر كمبعوث رسمي ونشاطه كمدير لصندوق استثماري. ويستمر كوشنر في دحض هذه الانتقادات علناً، مطالباً منتقديه بتقديم أدلة محددة على وجود تضارب في المصالح أثر على قراراته السياسية أو الدبلوماسية.
يُذكر أن كوشنر لعب أدواراً محورية في ملفات شائكة، من بينها قيادة جهود لإطلاق سراح أسرى إسرائيليين من قطاع غزة، والوساطة بين روسيا وأوكرانيا. هذه الأدوار تمنحه وصولاً غير مسبوق لصناع القرار في عواصم عالمية، وهو ما يراه خبراء قانونيون ميزة غير عادلة لشركته الاستثمارية التي تتخذ من مدينة ميامي مقراً لها.
وتشير التقارير إلى أن كوشنر يعتمد بشكل أساسي على الأموال القادمة من منطقة الشرق الأوسط، حيث جمع مئات الملايين من الدولارات بالإضافة إلى المليارين السعوديين. هذا الاعتماد الكبير على التمويل الأجنبي من دول يشارك كوشنر في صياغة السياسة الأمريكية تجاهها يضع علامات استفهام كبرى حول حيادية التحركات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الولاية الثانية للرئيس ترامب تشهد تآكلاً في الحدود التقليدية بين العمل الحكومي والقطاع الخاص، حيث يبرز نموذج كوشنر كحالة دراسية مثيرة للجدل. فبينما يمثل الدولة في محافل دولية مثل دافوس، تظل عينه على اقتناص فرص استثمارية تعزز من مكانة شركته في الأسواق العالمية، وخاصة في السوق الإسرائيلية والخليجية.
ختاماً، تظل قضية 'أفينيتي بارتنرز' ومؤسسها جاريد كوشنر تحت مجهر الصحافة والمنظمات الحقوقية، في ظل استمرار تدفق الأموال السيادية نحو شركته. ومع استمرار الأزمات في الشرق الأوسط، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى تأثير هذه المصالح المالية على صياغة 'السلام' الذي يسعى كوشنر لتحقيقه في المنطقة.
المصدر:
القدس