يواجه شبان من مدينة أم الفحم داخل أراضي الـ48 ظروفاً اعتقالية قاسية في مركز تحقيق 'الجلمة' شمالي البلاد، حيث تواصل أجهزة الأمن الإسرائيلية ممارسة ضغوط نفسية مكثفة عليهم. وتتمثل هذه الإجراءات في العزل التام ومنع التواصل مع ذويهم أو لقاء المحامين، في محاولة لانتزاع اعترافات حول شبهات أمنية يصفها قانونيون بأنها ملفقة ولا أساس لها من الصحة.
شهد الأسبوعان الأخيران حملة اعتقالات وصفت بالغير مسبوقة، طالت نحو 15 شاباً من مدينة أم الفحم وحدها، تزامناً مع التوترات الإقليمية المتصاعدة. ويرى مراقبون أن هذه الحملة تأتي في سياق محاولات الاحتلال لتدفيع الفلسطينيين في الداخل ثمن مواقفهم الوطنية والتحامهم المستمر مع قضايا شعبهم، خاصة في ظل الظروف الراهنة.
تعتمد سلطات الاحتلال سياسة 'الملفات السرية' لتبرير هذه الاعتقالات، حيث يُحرم المعتقلون من معرفة التهم الموجهة إليهم أو الاطلاع على الأدلة. وتهدف هذه السياسة، بحسب مراكز حقوقية، إلى خلق حالة من الترويع والترهيب الممنهج في صفوف المجتمع الفلسطيني بالداخل، وتحويل الشبهات غير المثبتة إلى أدوات ردع سياسي.
في إجراء يثير القلق حول نزاهة القضاء، عقدت محكمة الصلح في حيفا جلسات سرية ومغلقة لتمديد اعتقال عدد من الشبان، مع منع عائلاتهم من الحضور. وقد تم عرض المعتقلين على القضاة عبر تقنية الفيديو 'الزوم' دون إحضارهم فعلياً إلى القاعة، مما يعزز الشكوك حول شفافية المحاكمات وحق المعتقلين في الدفاع عن أنفسهم.
أكد المحامي رسلان محاجنة أن النيابة العامة تفرض تعتيماً كاملاً على تفاصيل الشبهات المزعومة، مشيراً إلى أن المعتقلين لا يملكون أي سوابق جنائية. وحذر محاجنة من أن استمرار الفشل في تقديم أدلة ملموسة قد يدفع السلطات لتحويل هؤلاء الشبان إلى الاعتقال الإداري، وهو الإجراء الذي بات يُستخدم بكثافة منذ بدء الحرب على غزة.
تشير التقارير الميدانية إلى أن المداهمات الليلية واقتحامات المنازل أصبحت نمطاً يومياً في البلدات العربية داخل الخط الأخضر. وغالباً ما تنفذ هذه العمليات دون مبررات قانونية واضحة، حيث يجد الأهالي أنفسهم في حالة من الغموض التام بشأن أماكن احتجاز أبنائهم أو التهم التي قد تُلفق لهم في مراكز التحقيق التابعة لـ 'الشاباك'.
كشف تقرير صادر عن مركز 'عدالة' الحقوقي عن قفزة نوعية في استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وبينما كان هذا النوع من الاعتقال يتركز تاريخياً في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنه توسع ليشمل مئات الحالات في الداخل والقدس المحتلة خلال العامين الأخيرين، مما يشير إلى تحول في السياسة الأمنية الإسرائيلية.
تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة القضاء الإسرائيلية أن المحاكم المركزية تداولت نحو 560 قضية اعتقال إداري بحق فلسطينيين من الداخل والقدس منذ عام 2020. اللافت في هذه الأرقام أن أكثر من نصف هذه القضايا سُجلت منذ اندلاع الحرب الأخيرة، مما يعكس استخدام الاعتقال الإداري كأداة عقابية وانتقامية واسعة النطاق.
أوضح المحامي حسن جبارين، مدير مركز عدالة أن إدارة المحاكم ترفض تزويد الجهات الحقوقية بتفاصيل شاملة حول هويات المعتقلين الإداريين أو فترات احتجازهم. هذا التستر المتعمد يهدف، بحسب جبارين، إلى إخفاء حجم الانتهاكات القانونية التي تشارك فيها السلطة القضائية عبر المصادقة الروتينية على أوامر الاعتقال المستندة لتقارير استخباراتية سرية.
يعتبر الاعتقال الإداري من أخطر الأدوات القانونية التي ورثتها إسرائيل عن الانتداب البريطاني، حيث يتيح احتجاز الأفراد دون محاكمة أو لائحة اتهام لفترات قابلة للتجديد. وتستند هذه الأوامر إلى ادعاءات بوجود 'خطر مستقبلي' غير محدد، مما يجعل من المستحيل على المعتقل أو محاميه تفنيد هذه الادعاءات أمام القضاء.
رغم أن القانون الإسرائيلي يحصر استخدام صلاحيات الطوارئ في الحالات الاستثنائية، إلا أن الدولة تعيش حالة طوارئ دائمة منذ عام 1948. هذا الوضع القانوني الشاذ سمح لوزراء الدفاع المتعاقبين بإصدار أوامر اعتقال إداري تصل إلى ستة أشهر، مع صلاحية تمديدها لمرات غير محدودة بمصادقة قضائية شكلية.
أفادت مصادر حقوقية بأن المحاكم الإسرائيلية، بما فيها المحكمة العليا، ترفض الغالبية العظمى من الاستئنافات المقدمة ضد الاعتقال الإداري. هذا التوافق بين الأجهزة الأمنية والقضائية يحول هذه الآلية إلى أداة قمعية دائمة تستهدف النشطاء والقيادات السياسية الوطنية في الداخل الفلسطيني، بهدف إحكام السيطرة الأمنية على المجتمع.
تتزايد المخاوف من أن تتوسع دائرة الاستهداف لتطال فئات اجتماعية أوسع ونشطاء حزبيين في المرحلة المقبلة. ويرى قانونيون أن الهدف النهائي من هذه الاعتقالات هو عزل فلسطينيي الداخل عن امتدادهم الوطني، وفرض حالة من الصمت المطبق تجاه السياسات الإسرائيلية الممارسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية، يبقى مصير العشرات من المعتقلين مجهولاً، وسط دعوات من مؤسسات حقوق الإنسان لتدخل دولي يوقف هذه الانتهاكات. وتؤكد هذه المؤسسات أن صمت المجتمع الدولي يشجع سلطات الاحتلال على التمادي في استخدام القوانين الاستثنائية لتقويض الحقوق الأساسية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
المصدر:
القدس