تواجه دول مجلس التعاون الخليجي الست تحديات وجودية في ظل التصعيد العسكري الراهن، حيث تجد نفسها في قلب صراع إقليمي محتدم منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في فبراير الماضي. ورغم الضغوط المتزايدة، تبرز صعوبات جمة في تنسيق موقف موحد، إذ تعاني المجموعة من ترسبات خلافات قديمة أخرت مشاريع استراتيجية كالعملة الموحدة وسكك الحديد لسنوات طويلة.
خلال الأيام العشرة الماضية، فرضت الحرب واقعاً مؤلماً على العواصم الخليجية، بعد أن أمطرت إيران المنطقة بأكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة. ولم يكن حجم الضرر متساوياً بين الدول، حيث تركزت أكثر من نصف الهجمات على دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما نالت سلطنة عمان النصيب الأقل من هذا الاستهداف المباشر.
شهدت مملكة البحرين تصعيداً خطيراً في التاسع من مارس، حين استهدفت طائرات مسيرة مصفاة النفط الوحيدة في البلاد، ما أدى لإصابة 32 شخصاً. هذا الهجوم دفع شركة النفط الحكومية لإعلان حالة 'القوة القاهرة'، وهو إجراء قانوني يعفيها من الالتزامات التعاقدية، مما يعكس حجم التأثير الاقتصادي المباشر للعمليات العسكرية.
يسود انقسام داخلي عميق في أروقة صنع القرار الخليجي بين تيار يحث على ضبط النفس وتيار يطالب بردع إيران عسكرياً. هذا الشلل نابع من فقدان الثقة بجميع أطراف النزاع، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، الذي لم يقدم ضمانات كافية لحلفائه في المنطقة قبل شن الحرب.
تتذكر العواصم الخليجية بمرارة تقاعس واشنطن عن الرد بعد الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في عام 2019. كما تثير استطلاعات الرأي الأمريكية، التي تظهر تراجع شعبية ترامب إلى 38% ومعارضة شعبية للحرب، مخاوف من انسحاب أمريكي مفاجئ يترك دول الخليج وحيدة في مواجهة إيران 'مجروحة ولكنها باقية'.
حاولت بعض الأطراف الخليجية اقتراح تشكيل تحالف دولي على غرار التحالف ضد تنظيم الدولة لضمان توريط واشنطن في التزامات طويلة الأمد. إلا أن طبيعة الرئيس ترامب التي لا تميل للعمل متعدد الأطراف جعلت من هذا الخيار أمراً صعب المنال، مما زاد من تعقيد الموقف الدفاعي الخليجي.
على الجانب الآخر، تلاشت الثقة بإيران تماماً رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها السعودية والإمارات لتحسين العلاقات قبل اندلاع الحرب. الهجمات الإيرانية المكثفة جعلت الأصوات المتشددة في الخليج ترى أن سياسة ضبط النفس كانت 'ساذجة' ولم توفر الحماية اللازمة للمنشآت الحيوية.
يبرز الدور الإسرائيلي كعامل تعقيد إضافي ومثير للقلق، خاصة بعد تسريبات صحفية إسرائيلية زعمت مشاركة الإمارات في قصف محطة تحلية مياه إيرانية. هذه التقارير، التي وصفتها أبوظبي بالكاذبة، أثارت غضباً مكتوماً لدى المسؤولين الإماراتيين الذين اعتبروها محاولة لجرهم إلى مواجهة مباشرة لا يرغبون بها.
لم تقتصر التسريبات الإسرائيلية على الإمارات، بل شملت مزاعم بقيام قطر بشن غارات جوية، وهو ما نفته الدوحة جملة وتفصيلاً. ويرى مسؤولون خليجيون أن إسرائيل تمارس 'لعبة قذرة' عبر تسريب معلومات مضللة تهدف إلى فرض أمر واقع عسكري يورط دول المنطقة في الصراع بشكل لا رجعة فيه.
تلقي الحسابات المحلية بظلالها على الموقف السياسي، لا سيما في البحرين التي تعاني من توترات طائفية قديمة. وتخشى السلطات هناك من أن يؤدي الانخراط الكامل في الحرب إلى اندلاع اضطرابات داخلية، خاصة مع ظهور مقاطع فيديو تظهر تعاطفاً شعبياً مع الهجمات الإيرانية.
في الإمارات، برزت تباينات في وجهات النظر بين أبوظبي ودبي، حيث تميل الأولى لتبني سياسة خارجية حازمة تجاه التهديد الإيراني. وفي المقابل، يفضل مجتمع الأعمال في دبي، المتمثل في شخصيات مثل خلف الحبتور، الحياد لتجنب تدمير المركز التجاري والمالي الذي يعتمد على الاستقرار لجذب الاستثمارات.
تدرك دول الخليج أن النموذج الاقتصادي القائم على السياحة والترفيه وجذب الاستثمارات العالمية هش للغاية أمام التهديدات العسكرية. فأي هجوم يستهدف محطات تحلية المياه أو يعطل الملاحة الجوية والبحرية قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي سريع يتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة.
يبدو أن تيار 'ضبط النفس' هو المسيطر حالياً على مراكز القرار في الخليج، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من احتمالات هدنة أو تصعيد. ومع ذلك، فإن استمرار الحرب لفترة أطول سيؤدي حتماً إلى تعميق الشروخ الداخلية وزيادة الضغوط على الأنظمة الحاكمة لاتخاذ قرارات حاسمة.
في نهاية المطاف، كشفت هذه الحرب عن ارتباط وثيق ومعقد بين أمن دول الخليج والأجندات الدولية، مما يضع سيادتها على المحك. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة هذه الدول على حماية مصالحها بعيداً عن تقلبات السياسة الأمريكية والمناورات الإسرائيلية التي تسعى لإعادة تشكيل المنطقة.
المصدر:
القدس