آخر الأخبار

اجتماع لاهاي: أربعون دولة تبحث خطوات عملية لوقف الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية

شارك

واشنطن – سعيد عريقات – 5/3/2026

اجتمعت أربعون دولة يوم الأربعاء، في مدينة لاهاي الهولندية لبحث سبل ترجمة مبادئ القانون الدولي إلى إجراءات عملية تهدف إلى وقف ما يصفه دبلوماسيون بعملية ضم تدريجي تنفذها إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة عبر التوسع الاستيطاني وتغيير أنظمة الحكم فيها.

وعُقد الاجتماع برئاسة مشتركة بين جنوب أفريقيا وكولومبيا تحت مظلة ما يعرف بـ”مجموعة لاهاي”، وهي مبادرة دولية أطلقت مطلع عام 2025 لتنسيق الردود القانونية والدبلوماسية على سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك على الحرب في قطاع غزة.

ويُعد اللقاء الأكبر الذي تنظمه المجموعة منذ تأسيسها، ويأتي في وقت يتصاعد فيه القلق الدولي من تسارع مشاريع الاستيطان والعمليات العسكرية في الضفة الغربية، وما قد يترتب عليها من تغيير دائم في الواقع الجغرافي والسياسي للأراضي المحتلة.

وأكد بيان مشترك صدر عقب الاجتماع التزام الدول المشاركة بميثاق الأمم المتحدة وبالمبدأ الأساسي في القانون الدولي الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، إضافة إلى تأكيد حق الشعوب في تقرير مصيرها.

واتفقت الدول المشاركة على العمل عبر ثلاثة مسارات رئيسية يجري تطويرها تمهيداً لاعتمادها في اجتماع وزاري مرتقب.

ويركز المسار الأول على تعزيز آليات المساءلة القانونية عن الجرائم الدولية المحتملة. ويشمل ذلك بحث فرض متطلبات إفصاح إضافية على مسافرين خدموا في الجيش الإسرائيلي، ما قد يعرّضهم لإجراءات تدقيق قانوني وفق تشريعات الجرائم الدولية المعمول بها في بعض الدول.

أما المسار الثاني فيتعلق بتطبيق مبدأ عدم الاعتراف بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، عبر حظر استيراد منتجاتها ومنع الشركات الوطنية من الاستثمار أو العمل داخلها.

ويركز المسار الثالث على مراجعة صادرات السلاح والمواد ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك الوقود العسكري، بهدف منع نقلها أو عبورها إلى إسرائيل إذا كان من المحتمل استخدامها في دعم الاحتلال.

وأكد البيان أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان عدم وجود “ملاذ آمن” للأشخاص الذين قد يشتبه في تورطهم في جرائم إبادة جماعية أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جريمة العدوان.

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول من أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، من بينها الجزائر والبرازيل والصين ومصر ولبنان وماليزيا والمكسيك ونيجيريا والنرويج وباكستان وقطر والسعودية وإسبانيا وجنوب أفريقيا والسويد وسويسرا وتركيا وأوروغواي وفنزويلا وزيمبابوي، إضافة إلى دولة فلسطين.

وفي واشنطن قال مسؤول أميركي طلب عدم كشف اسمه، رداً على سؤال لمراسل “القدس” بشأن احتمال انضمام الولايات المتحدة إلى المجموعة، إنه ليس على علم بأي موقف رسمي أو غير معلن بهذا الخصوص، مضيفاً أن الإدارة الأميركية تركز حالياً على مبادرة "مجلس السلام" التي أطلقت الشهر الماضي.

ويأتي اجتماع لاهاي في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من تداعيات قرارات إسرائيل الأخيرة، ولا سيما الموافقة على مشروع الاستيطان المثير للجدل المعروف باسم "E1"، والذي يحذر خبراء من أنه قد يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية ويقوض التواصل الجغرافي اللازم لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما أقرت الحكومة الإسرائيلية في الثامن من شباط الماضي حزمة إجراءات واسعة لإعادة هيكلة نظام الحكم في الضفة الغربية، تتضمن توسيع الصلاحيات المدنية الإسرائيلية في مناطق ظلت خاضعة للحكم العسكري منذ ما يقرب من ستة عقود.

ويرى دبلوماسيون أن هذه الخطوات تمثل توسعاً تدريجياً لما تصفه إسرائيل بـ"فرض السيادة" على الأراضي المحتلة، وهو هدف لطالما دعت إليه تيارات اليمين القومي وحركات المستوطنين داخل إسرائيل.

ويحذر مراقبون من أن هذه الإجراءات تقوض ما تبقى من صلاحيات السلطة الفلسطينية المحدودة، وتضعف الإطار السياسي الذي قامت عليه اتفاقات أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وتستند المبادرة التي تقودها مجموعة لاهاي إلى الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تموز 2024، وكذلك إلى قرار لاحق للجمعية العامة للأمم المتحدة دعا الدول إلى عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي ومنع أي شكل من أشكال الدعم الذي قد يسهم في استمراره.

وقال نائب وزير الخارجية الكولومبي للشؤون المتعددة الأطراف، ماوريسيو جاراميو، إن الاجتماع يعكس إحباطاً متنامياً لدى عدد من الحكومات من غياب آليات حقيقية لتطبيق القانون الدولي.

وأضاف: "إسرائيل تنفذ عملية مصادرة للأراضي على مرأى العالم. وبعد ما جرى في غزة، يبدو أن ترسيخ الضم الفعلي لأجزاء من الضفة الغربية هو الخطوة التالية في مشروع احتلال دائم".

وأكد أن الدول تواجه اليوم خياراً واضحاً بين الدفاع عن القانون الدولي أو السماح بثقافة الإفلات من العقاب.

ويعكس اجتماع لاهاي تحوّلاً متدرجاً في مواقف عدد متزايد من دول الجنوب العالمي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إذ لم يعد الاكتفاء بالبيانات السياسية كافياً في نظر كثير من الحكومات. فبعد عقود من التنديد غير الملزم، بدأت بعض الدول تبحث عن أدوات قانونية واقتصادية ملموسة لفرض الالتزام بالقانون الدولي. هذا التحول لا يعني بالضرورة تشكل جبهة دولية موحدة ضد إسرائيل، لكنه يكشف اتجاهاً متصاعداً نحو “تدويل المساءلة”، حيث تحاول الدول استخدام تشريعاتها الوطنية والمحاكم الدولية لسدّ الفراغ الذي تركه عجز مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات ملزمة بسبب الانقسامات السياسية.

وتثير الخطوات المطروحة في اجتماع لاهاي سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي القائم على القواعد. فالقضية لم تعد محصورة في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بقدر ما أصبحت اختباراً لمدى قدرة القانون الدولي على فرض نفسه عندما تتعارض المصالح السياسية للقوى الكبرى. ويعتقد عدد من الدبلوماسيين أن استمرار الاحتلال دون كلفة سياسية أو قانونية حقيقية يقوض مصداقية المؤسسات الدولية. لذلك فإن التحركات الحالية تهدف أيضاً إلى إرسال رسالة أوسع مفادها أن غياب الإجماع في مجلس الأمن لا يجب أن يعني شلّ قدرة المجتمع الدولي على التحرك.

من الناحية السياسية، تعكس مبادرة "مجموعة لاهاي" إدراكاً متزايداً بأن واقع الضفة الغربية يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية التقليدية على مواكبته. فالتوسع الاستيطاني المتسارع، إلى جانب إعادة هيكلة الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، يخلق حقائق جديدة قد تجعل حل الدولتين أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولهذا يرى بعض المشاركين أن التركيز على أدوات المساءلة الاقتصادية والقانونية قد يكون الوسيلة الوحيدة المتاحة حالياً لوقف هذا المسار. غير أن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بمدى استعداد الدول لترجمة مواقفها السياسية إلى إجراءات عملية مكلفة سياسياً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا