كشف كبار المشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في واشنطن أن قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بشن غارات جوية وصاروخية مكثفة على إيران جاء مدفوعاً بشكل أساسي بخطة إسرائيلية لمهاجمة طهران. وأوضحت المصادر أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها مضطرة للتحرك لتجنب تداعيات هجوم إسرائيلي منفرد كان سيضع القوات الأمريكية في المنطقة في مرمى النيران الإيرانية.
وخلال إحاطة سرية مغلقة في الكابيتول هيل، أفاد مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة الأمريكية بأن المعلومات الاستخباراتية أكدت عزم تل أبيب على ضرب أهداف إيرانية سواء حصلت على ضوء أخضر أمريكي أم لا. هذا التوجه الإسرائيلي دفع البنتاغون لاتخاذ إجراءات استباقية لحماية القواعد المنتشرة في الشرق الأوسط، والتي كانت ستصبح أهدافاً فورية لردود انتقامية إيرانية.
من جانبه، انتقد السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، طبيعة هذا التحرك العسكري، واصفاً إياه بأنه 'حرب اختيارية'. وأشار وارنر إلى أن اتخاذ قرار بشن هجوم واسع على دولة أخرى تحت ضغط من حليف يمثل سابقة قانونية وسياسية خطيرة، متسائلاً عن جدوى تعريض حياة الجنود الأمريكيين للخطر من أجل تهديد موجه لحليف وليس للولايات المتحدة مباشرة.
وشارك في تقديم الإحاطة السرية للمشرعين كل من وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، بالإضافة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة. وحاول المسؤولون إقناع أعضاء الكونغرس بأن التحرك الأمريكي كان 'شراً لا بد منه' لتقليل الخسائر المتوقعة في صفوف القوات الأمريكية والأصول الحيوية في المنطقة.
في المقابل، دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن موقف ترامب، معتبراً أن الرئيس واجه خياراً معقداً بعدما تبين أن إسرائيل مصممة على تدمير مخازن الصواريخ الإيرانية. وأكد جونسون أن إسرائيل رأت في تسارع وتيرة التصنيع العسكري الإيراني تهديداً وجودياً لا يمكن السكوت عنه، مما جعل التدخل الأمريكي ضرورة لضبط إيقاع المواجهة وحماية المصالح الأمريكية.
وأشار جونسون إلى أن التقديرات الاستخباراتية كانت تشير بوضوح إلى أن إيران سترد فوراً على أي هجوم إسرائيلي باستهداف الأفراد والأصول الأمريكية في المنطقة. وأضاف أن الانتظار حتى وقوع الهجوم الإيراني كان سيؤدي إلى عواقب مدمرة وخسائر فادحة في الأرواح والمنشآت، وهو ما برر التحرك الاستباقي الذي قادته واشنطن نهاية الأسبوع الماضي.
وفي سياق متصل، صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن أوامر الرد الإيراني كانت قد نُقلت بالفعل للقادة الميدانيين قبل بدء الغارات المشتركة. واعتبر روبيو أن قرار الرئيس كان 'حكيماً' لأنه استهدف شل القدرات الإيرانية قبل استخدامها، مشدداً على أن طهران كانت ستستهدف الولايات المتحدة بغض النظر عن الجهة التي ستبدأ بالهجوم.
وتأتي هذه التطورات العسكرية في وقت تشهد فيه الساحة الفلسطينية تصعيداً موازياً، حيث استغل الاحتلال الإسرائيلي انشغال العالم بالحرب على إيران لإغلاق كافة معابر قطاع غزة، بما فيها معبر رفح. وتتزايد المخاوف من تهرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من استحقاقات المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي كان مفترضاً في غزة.
ميدانياً، أسفرت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة عن مقتل مئات الأشخاص في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، في تصعيد غير مسبوق للمواجهة. وفي المقابل، اعترفت مصادر أمريكية بمقتل 6 جنود وإصابة 18 آخرين بجروح خطيرة، فضلاً عن سقوط ثلاث مقاتلات من طراز F-15E خلال العمليات القتالية المستمرة منذ يوم السبت.
وعلى صعيد قطاع غزة، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية حصد الأرواح رغم الحديث عن هدن هشة، حيث استشهد 629 فلسطينياً منذ العاشر من أكتوبر الماضي. ووصل إجمالي ضحايا العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد، في ظل تدمير ممنهج طال 90% من البنية التحتية للقطاع المحاصر.
ويرى مراقبون أن نتنياهو نجح في جر الإدارة الأمريكية إلى مواجهة مباشرة مع إيران لخدمة أجندته السياسية والهروب من الضغوط الداخلية والدولية المتعلقة بجرائم الحرب في غزة. وتسيطر قوات الاحتلال حالياً على نحو 53% من مساحة القطاع، مما يعزز فرضية السعي لفرض واقع جغرافي جديد تحت غطاء التصعيد الإقليمي مع طهران.
اقتصادياً، أثارت هذه الحرب مخاوف كبرى في أسواق الطاقة العالمية، حيث تساهم إيران بنحو 3% من إمدادات النفط العالمية. ومع استهداف المنشآت الحيوية، يبرز خطر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 30% من النفط المنقول بحراً، مما قد يدفع بأسعار الخام إلى مستويات قياسية تتجاوز ما سجلته في يونيو 2025.
وتعتبر الصين المتضرر الأكبر من تعطل الإمدادات الإيرانية، كونها الزبون الرئيسي للنفط الذي تنتجه طهران، بينما ترتبط عقود الغاز الإسرائيلية بأسعار خام برنت، مما ينذر بارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً. ويؤكد وزير الدفاع الأمريكي أن الهدف الحالي هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، دون الدخول في مشاريع 'بناء الدول' كما حدث في تجارب سابقة.
ويبقى التساؤل قائماً في أروقة الكونغرس حول مدى استقلالية القرار السيادي الأمريكي في ظل الارتباط الوثيق بالخطط العسكرية الإسرائيلية. فبينما يرى الجمهوريون في الهجوم حماية للمصالح القومية، يحذر الديمقراطيون من الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة قد لا تنتهي قريباً، وتستنزف الموارد الأمريكية في صراع يخدم أهدافاً غير أمريكية بالدرجة الأولى.
المصدر:
القدس