آخر الأخبار

هدى عموري وفلسطين أكشن: قصة الانتصار على إلبيت سيستمز والقضا

شارك

تجسد الناشطة هدى عموري، مؤسسة حركة 'فلسطين أكشن'، امتداداً حياً لتاريخ النضال الفلسطيني الذي بدأه أجدادها في ثلاثينيات القرن الماضي. ولدت عموري في بريطانيا عام 1994 لعائلة مهجرة من مدينة طولكرم، حيث كان والد جدها، إبراهيم العموري، أحد القادة البارزين في ثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني، قبل أن يتم اغتياله على يد قوات الاحتلال في عام 1938.

نشأت هدى في بيئة علمية بمدينة برادفورد، حيث عمل والدها جراحاً ووالدتها طبيبة، لكن الجرح الفلسطيني ظل حاضراً في وجدانها من خلال مرويات التهجير القسري التي عاشتها عائلتها إبان حرب عام 1967. هذا الإرث العائلي دفعها لاحقاً إلى تحويل مسارها من دراسة إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة مانشستر إلى الانخراط الكامل في العمل السياسي والميداني نصرة للقضية الفلسطينية.

كانت محطة التطوع في جزيرة ليسبوس اليونانية عام 2015 نقطة تحول جوهرية في حياة عموري، حيث عاينت مآسي اللاجئين السوريين الفارين من الحرب. رأت هدى في وجوه اللاجئين تكراراً لنكبة عائلتها، مما دفعها للبحث عن جذور الدعم البريطاني للاحتلال الإسرائيلي، واكتشاف استثمارات جامعتها في شركات أسلحة تمد الجيش الإسرائيلي بالعتاد القاتل.

بدأت عموري نشاطها داخل أسوار جامعة مانشستر عبر حملات المقاطعة (BDS)، حيث نجحت في طرد شركات داعمة للاحتلال من الحرم الجامعي وإلغاء فعاليات تروج للرواية الإسرائيلية. لم تكتفِ بالعمل الطلابي، بل أسست في يوليو 2020 حركة 'فلسطين أكشن' بالتعاون مع الناشط ريتشارد برنارد، لتبدأ مرحلة جديدة من 'العمل المباشر' ضد مصالح الاحتلال في القارة الأوروبية.

ركزت الحركة استراتيجيتها على استهداف شركة 'إلبيت سيستمز'، أكبر شركة أسلحة إسرائيلية خاصة تعمل في بريطانيا، والتي تزود جيش الاحتلال بنحو 85% من طائراته المسيرة وذخائره. تمكن ناشطو الحركة من إلحاق خسائر بملايين الدولارات بالشركة عبر سلسلة من الاقتحامات والاحتجاجات التي أجبرت مصانع تابعة لها في أولدهام ولندن على الإغلاق النهائي.

تجاوز تأثير 'فلسطين أكشن' حدود التظاهر التقليدي، حيث أدت حملاتها الممنهجة إلى إلغاء عقود ضخمة بقيمة 280 مليون جنيه إسترليني بين وزارة الدفاع البريطانية والشركات الإسرائيلية. وترى الحركة أن بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن معاناة الفلسطينيين منذ وعد بلفور عام 1917، وتعتبر أن وقف هذا التواطؤ هو السبيل الوحيد لإنهاء الاستعمار.

واجهت الحركة تضييقات أمنية وسياسية شديدة، بلغت ذروتها عندما صنفتها حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر كـ 'منظمة إرهابية' في يوليو 2025. جاء هذا القرار في أعقاب عمليات تخريب استهدفت قواعد جوية بريطانية ومصانع للصناعات الدفاعية، حيث وصفت وزيرة الداخلية إيفيت كوبر نشاط الحركة بأنه 'تخريب إجرامي غير مقبول' يخرج عن إطار الاحتجاج السلمي.

إن تهجير عائلتي من طولكرم هو النقطة التي تحكم نظرتي للعالم، وهو دافعي لملاحقة التواطؤ البريطاني في استعمار فلسطين.

لم تتوقف ضغوط السلطات البريطانية عند التصنيف، بل شملت اعتقال المئات من الناشطين وتوجيه تهم جنائية ثقيلة لهم في محاولة لتقويض نشاط الحركة المتصاعد. ومع ذلك، استمرت عموري ورفاقها في الدفاع عن مشروعية عملهم، مؤكدين أن تعطيل آلات القتل الإسرائيلية هو واجب أخلاقي وقانوني يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان الدولية.

في تطور قضائي لافت، قضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز في فبراير 2026 بأن قرار حظر الحركة يتعارض مع مبادئ حرية التعبير المكفولة قانوناً. واعتبر هذا الحكم انتصاراً تاريخياً لهدى عموري، حيث أكد القضاء أن النشاط السياسي الموجه ضد شركات الأسلحة يندرج ضمن الحقوق الديمقراطية، مما وجه ضربة قوية لمحاولات الحكومة تجريم التضامن مع فلسطين.

امتد نشاط 'فلسطين أكشن' دولياً ليصل إلى الولايات المتحدة، حيث استهدف الناشطون مصانع شركة 'إلبيت' في نيوهامبشير وماساتشوستس، مما أدى لاعتقالات واسعة في صفوفهم. كما نفذت الحركة عمليات رمزية ضد منشآت مملوكة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في اسكتلندا، احتجاجاً على سياساته الداعمة لتهجير سكان قطاع غزة وإعادة استيطانها.

تؤكد مصادر مطلعة أن نجاح الحركة في إغلاق مقار 'إلبيت سيستمز' في لندن يمثل ذروة التأثير الميداني الذي يمكن أن يحققه العمل الشعبي المنظم. وقد أصبحت هدى عموري رمزاً لجيل جديد من الفلسطينيين في الشتات الذين يرفضون الاكتفاء بالخطابات السياسية، ويفضلون المواجهة المباشرة مع الشركات التي تتربح من دماء أبناء شعبهم في غزة والضفة.

يرى مراقبون أن الربط بين ثورة 1936 ونشاط 'فلسطين أكشن' في 2026 يعكس استمرارية النضال الفلسطيني عبر الأجيال، رغم تغير الأدوات والساحات. فبينما كان الجد يواجه الانتداب البريطاني بالسلاح في جبال طولكرم، تقود الحفيدة معركة قانونية وميدانية في قلب لندن لقطع شريان الإمداد العسكري عن الاحتلال الإسرائيلي.

إن الحكم القضائي الأخير لا يمثل نهاية المعركة بالنسبة لعموري، بل هو بداية لمرحلة جديدة من التصعيد ضد الشركات المتواطئة في 'الإبادة الجماعية' بقطاع غزة. وتشدد الناشطة الفلسطينية في تصريحاتها على أن الحركة ستواصل ملاحقة النفوذ الإسرائيلي في بريطانيا حتى إنهاء كافة أشكال التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

بهذا الانتصار، تثبت هدى عموري أن الإرادة الشعبية قادرة على مواجهة أعتى الأنظمة السياسية والشركات العسكرية العالمية، معيدة الاعتبار للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. ويبقى مسار 'فلسطين أكشن' نموذجاً ملهماً لحركات التضامن العالمي التي تسعى لتحويل الشعارات إلى أفعال ملموسة تؤثر في موازين القوى على الأرض.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا