يستقبل قطاع غزة شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل ظروف استثنائية ومعقدة، حيث يعد هذا الموسم الأول الذي يأتي بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. ورغم الآمال التي عُلقت على فتح المعابر جزئياً، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن التحسن في العمل الإغاثي ظل محدوداً للغاية ولم يرتقِ لمستوى الكارثة الإنسانية القائمة.
وتشير البيانات الميدانية إلى واقع قاسٍ يعيشه نحو 2.4 مليون نسمة في القطاع، حيث لا تتجاوز نسبة الالتزام الفعلي بدخول شاحنات المساعدات 43% من الحد الأدنى المطلوب. هذا العجز يضع السكان الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على المعونات الدولية في مواجهة مباشرة مع خطر الجوع المستمر وانعدام الأمن الغذائي الحاد.
وأفادت مصادر رسمية في غزة بأن العمل الإغاثي شهد تحولاً نسبياً في نمط التدخلات، حيث انتقل من الاستجابة الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر إلى محاولات لتوسيع نطاق التوزيعات الميدانية. ومع ذلك، تبقى البيئة التشغيلية شديدة الهشاشة بسبب القيود المستمرة على كميات وأصناف المواد المسموح بدخولها عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
ويؤكد مسؤولون في العمل الإغاثي أن الحاجة الفعلية لضمان تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية تتطلب تدفقاً مستداماً لا يقل عن 750 شاحنة يومياً. وفي ظل الأرقام الحالية، تظل الفجوة واسعة بين ما يدخل فعلياً وبين المتطلبات الضرورية للبقاء على قيد الحياة، خاصة في ظل تدمير البنية التحتية اللوجستية.
من جانبه، أوضح إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي أن التغيير الذي طرأ على المشهد الإغاثي يبقى 'محدوداً وطفيفاً' ولا يلامس جوهر الأزمة. وأشار إلى أن آثار العدوان الإسرائيلي المدمرة لا تزال قائمة، مما يجعل مظاهر الجوع والفقر تتصدر المشهد الرمضاني في مختلف مناطق القطاع.
وفي سياق متصل، رصد خبراء في التنمية تحولاً نوعياً في طبيعة العمل الإنساني رغم المعوقات، حيث بدأت المؤسسات في تحسين إدارة سلاسل الإمداد وتعزيز آليات الوصول الميداني. لكن هذه الجهود تصطدم بتحديات لوجستية داخلية معقدة، أبرزها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي منذ أكتوبر 2023 وتضرر شبكات النقل.
وذكرت مصادر مطلعة أن فتح المعابر جزئياً شكل 'انفراجة محدودة' سمحت بحركة بعض الأفراد والحالات الطبية، لكنها فشلت في إحداث تغيير جوهري في تدفق البضائع. وتواجه عمليات التخزين والتوزيع صعوبات بالغة نتيجة تضرر المخازن وسلاسل التبريد الضرورية للحفاظ على المواد الغذائية الحساسة.
وعلى صعيد العمل الميداني، تصف مؤسسات إغاثية دولية ومحلية الوضع بأنه 'كارثي بكل المقاييس'، حيث تعيش آلاف العائلات في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة. وتتفاقم هذه الاحتياجات مع اتساع رقعة الدمار وفقدان مصادر الدخل الدائمة لغالبية أرباب الأسر في القطاع المحاصر.
وتعتمد بعض الجمعيات الخيرية على الشراء من السوق المحلي لتأمين الوجبات الساخنة، إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه عقبة الارتفاع الجنوني في الأسعار. وتتأثر الأسواق المحلية مباشرة بمدى فتح أو إغلاق المعابر، مما ينعكس على قدرة المؤسسات الإغاثية في تأمين احتياجات المستفيدين المتزايدة.
وتواجه الفرق الإنسانية منظومة متشابكة من التحديات الأمنية واللوجستية، تشمل التحكم في أصناف السلع وطول إجراءات التفتيش وعدم انتظام حركة الشاحنات. كما تعاني المؤسسات من محدودية الوصول إلى المناطق الواقعة بمحاذاة 'الخط الأصفر'، مما يؤخر وصول المعونات للمستحقين في تلك المناطق.
ويشكل النقص الحاد في الوقود عائقاً رئيساً أمام استمرارية الخدمات الأساسية وعمليات النقل والتوزيع، مما يلقي بظلاله على كافة جوانب العمل الإنساني. وتتزايد المخاوف من استهداف مرافق الإغاثة وسلاسل الإمداد من قبل مجموعات مسلحة مدعومة من سلطات الاحتلال لعرقلة وصول المساعدات.
وتحاول المؤسسات الإغاثية سد الثغرات عبر توزيع الوجبات الرمضانية وتشغيل المطابخ المجتمعية 'التكايا' لدعم الأسر الأشد فقراً. كما تشمل الأنشطة الحالية دعم مراكز الإيواء بالخيام والأغطية، وتقديم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يعانون من آثار الصدمات النفسية الممتدة.
ورغم هذه الجهود، يؤكد مراقبون أن ما يحدث حالياً هو مجرد 'إدارة للأزمة بأدوات محدودة' لا تعالج جذور المشكلة الإنسانية العميقة. فالفجوة بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتراكمة تزداد اتساعاً نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وانعدام الأمن الغذائي بشكل غير مسبوق في تاريخ القطاع.
وفي الختام، يشدد العاملون في الحقل الإنساني على ضرورة وجود إرادة دولية حقيقية تضمن وصولاً آمناً ومنتظماً للمساعدات الإغاثية. ويرى الخبراء أن الاستجابة الحالية قد تمنع الانهيار الكامل للنظام المجتمعي، لكنها تظل غير كافية للانتقال نحو مسار تعافٍ حقيقي ومستدام لسكان قطاع غزة.
المصدر:
القدس