آخر الأخبار

مجلس ترمب بعد انعقاده: تعهدات مالية بلا ضمانات، ومنصة غامضة لإدارة الأزمات

شارك

واشنطن – سعيد عريقات – 20/2/2026

تحليل إخباري

أعاد الاجتماع الأول لما سُمّي "مجلس السلام"، الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ، طرح أسئلة أكثر مما قدّم أجوبة، سواء على مستوى الشكل أو المضمون. فالمبادرة التي رُوّج لها كمنصة دولية جديدة لدعم الاستقرار، وخصوصاً في غزة، انطلقت وسط غموض مؤسسي لافت: لا آلية تنفيذية محددة، ولا جدولاً زمنياً واضحاً، ولا هيكلاً إدارياً يبيّن كيفية إدارة التعهدات المالية أو مراقبة إنفاقها. الإعلان عن تخصيص عشرة مليارات دولار لإعادة الإعمار بدا ضخماً من حيث الرقم، لكنه ظل أقرب إلى تعهد سياسي رمزي في غياب خطة تفصيلية تحدد الجهات المشرفة، ومعايير الصرف، وأدوات الرقابة والمساءلة. بذلك، بدا المجلس حتى الآن أقرب إلى منصة لإعلان النوايا منه إلى إطار عمل ملزم.

هذا الانطباع تعزز بحجم ونوعية المشاركة الدولية. فمن بين عشرات الدعوات، اقتصر الحضور على نحو ثلث العدد، مع تمثيل أوروبي متحفظ أو منخفض. ذلك التردد عكس خشية أوروبية من أن يتحول المجلس إلى مسار موازٍ يلتف على منظومة العمل متعدد الأطراف، وفي مقدمتها الأمم المتحدة . ولم تقتصر التحفظات على العواصم الأوروبية؛ إذ عبّر بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر عن تحفظه “بسبب طبيعة المجلس”، في إشارة فُهمت بوصفها قلقاً من إنشاء إطار جديد قد يزاحم المرجعيات الدولية القائمة في إدارة الأزمات. هنا يبرز سؤال الشرعية: هل يسعى المجلس إلى التكامل مع النظام الدولي، أم إلى إعادة صياغته وفق مقاربة انتقائية تقودها واشنطن؟

مر الاجتماع على فلسطين ، والقضية الفلسطينية بصورة عابرة، أقرب إلى بند إنساني ضمن جدول أعمال مزدحم، لا كقضية سياسية مركزية تتطلب معالجة شاملة. فقد غاب تمثيل فلسطيني سياسي وازن، مقابل حضور تقني محدود جدا ، تمثل بوجود علي شعث، رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية الجديدة في الاجتماع دون ذكره من المضيف أو المشاركين، ما أضعف صورة المبادرة في الشارع العربي وأثار تساؤلات حول موقع السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات مستقبلية تخص غزة. التركيز على الإغاثة وإعادة الإعمار، من دون مقاربة واضحة للحقوق السياسية وتقرير المصير، أعاد إنتاج نمط إدارة الأزمة بدل حلّها، وأبقى جوهر الصراع خارج إطار المعالجة الفعلية.

غير أن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بمدى التزام الدول التي أعلنت تعهدات مالية، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، بتنفيذ وعودها. تجارب سابقة في مؤتمرات دعم وإعمار أظهرت أن الفجوة بين التعهدات المعلنة والأموال المحولة فعلياً قد تكون واسعة، وغالباً ما ترتبط بشروط سياسية أو أمنية تتبدل مع تغير الأولويات. في الحالة الأميركية تحديداً، تبقى أي التزامات مالية رهينة اعتبارات داخلية، من موافقة الكونغرس إلى تبدل المزاج السياسي، فضلاً عن ربطها بسلوك الأطراف المحلية والإقليمية. أما بقية الدول، فقد تنظر إلى التعهدات بوصفها رسائل دبلوماسية آنية أكثر من كونها التزامات تعاقدية ملزمة، ما يثير شكوكا جدية حول حجم الأموال التي ستُصرف فعلياً، وتوقيت صرفها، والجهات التي ستستفيد منها.

هذا الشك لا يقتصر على القدرة المالية، بل يمتد إلى الإرادة السياسية. فهل ستبقى التعهدات قائمة إذا تعثرت التهدئة؟ وهل ستُستخدم كأداة ضغط لإعادة هندسة المشهد السياسي في غزة؟ غياب آلية واضحة للإلزام والمساءلة يجعل من الصعب التمييز بين الدعم الإنساني المستدام والمساعدات المشروطة ظرفياً. كما أن عدم تحديد إطار قانوني ناظم للتعهدات يفتح الباب أمام إعادة تفسيرها أو تجميدها متى تبدلت الحسابات.

في المقابل، تواصل إسرائيل تشددها حيال مستقبل غزة وسلاح "حماس"، وتتعامل مع أي تهدئة باعتبارها ترتيبات أمنية قابلة للمراجعة. هكذا يصبح وقف النار، إن تحقق، هشاً وقابلاً للانتكاس، فيما تبقى أي مرحلة لاحقة من إعادة الإعمار رهينة حسابات أمنية لم تتغير جذرياً. وفي ظل استمرار الاستيطان في الضفة الغربية، تبدو أي مقاربة تفصل الإعمار عن المسار السياسي عرضة لاتهامها بتكريس واقع انتقالي طويل الأمد، لا تسوية نهائية.

في السياق العربي، تجد الجامعة العربية نفسها أمام اختبار إضافي. فالمبادرة بصيغتها الحالية تثير تساؤلات حول موقعها في أي ترتيبات تخص غزة والقضية الفلسطينية عموماً. غياب إطار تنسيقي واضح بين المجلس الجديد والمؤسسات الإقليمية والدولية يعمّق الانطباع بأن هناك مساراً يُراد له أن يتشكل خارج القنوات المعروفة. وبالنسبة لدول عربية تخشى تهميش البعد الوطني الفلسطيني، فإن الغموض في الآلية والجدول والإدارة—مضافاً إليه الشك في تنفيذ التعهدات—ليس تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر إلى احتمال تحوّل الدعم المالي إلى أداة لإدارة الأزمة لا حلّها.

في المحصلة، يقف "مجلس السلام" عند مفترق طرق بين أن يكون منصة حقيقية لحشد موارد سياسية ومالية مستدامة، أو مجرد إعلان سياسي كبير بسقف توقعات مرتفع وضمانات منخفضة. وبينما تبقى التعهدات المالية محور الاهتمام، فإن معيار الجدية لن يكون في حجم الأرقام المعلنة، بل في مدى تحويلها إلى التزامات فعلية شفافة، ضمن رؤية سياسية واضحة تعالج جذور الصراع.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا