يحل شهر رمضان المبارك على قطاع غزة هذا العام حاملاً معه أعباءً ثقيلة من الدمار والنزوح، حيث يجد مئات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم مضطرين للصيام داخل خيام متهالكة نصبت فوق أنقاض منازلهم. ورغم مرور أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر الماضي، إلا أن ملامح الحياة الطبيعية لا تزال غائبة تماماً عن أزقة القطاع المدمر.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تزال تتنصل من التزاماتها الإنسانية المتعلقة بفتح المعابر التجارية والحيوية، مما أعاق وصول الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والطبية. هذا التعنت أدى إلى فشل ملموس في تحسين الظروف المعيشية، وبقاء آلاف العائلات دون مأوى ملائم أو إمدادات إغاثية كافية لمواجهة متطلبات الشهر الفضيل.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المشهد في خانيونس ومختلف مناطق القطاع يجسد كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يختلف رمضان الحالي جذرياً عن سنوات ما قبل الحرب. فبالرغم من انخفاض حدة العمليات العسكرية المباشرة، إلا أن الحصار الاقتصادي وسياسة التجويع لا تزال تفتك بالسكان الذين فقدوا مدخراتهم ومصادر رزقهم خلال أشهر العدوان.
وتعاني الأسواق المتبقية في القطاع من شح شديد في البضائع الأساسية، وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين الذين استنزفت الحرب كل ما يملكونه. وتتزامن هذه الأزمة مع محاولات مستمرة من جيش الاحتلال لفرض سيطرة ميدانية تهدف إلى تقليص مساحات الحركة والتحكم في تدفق المساعدات الإنسانية الشحيحة أصلاً.
وعلى الصعيد الديني والاجتماعي، يفتقد الغزيون هذا العام لأصوات المآذن في كثير من الأحياء، بعد أن دمر جيش الاحتلال أكثر من ألف مسجد خلال العمليات العسكرية الواسعة. ورغم هذا الفقد الكبير، يحاول الأهالي إحياء بعض مظاهر الفرح البسيطة في الشوارع وبين الخيام، في محاولة للتمسك بالحياة وإثبات الصمود أمام آلة الدمار.
وتسود حالة من التشاؤم الحذر بين الأوساط الشعبية نتيجة استمرار الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق التهدئة، وتأخر البدء في عمليات إعادة الإعمار أو توفير البيوت المتنقلة (الكرفانات). ويرى مراقبون أن غياب خطط الإغاثة الواضحة على الأرض يزيد من تعقيد المشهد الإنساني، ويجعل من الصيام مهمة شاقة في ظل انعدام الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء.
وفي الختام، يبقى المطلب الأساسي لسكان القطاع هو التدخل الدولي العاجل لفرض إدخال المساعدات وتوفير مستلزمات الإيواء العاجلة قبل تفاقم الأزمة الصحية. إن استمرار الوضع الراهن يهدد بتعميق فجوة المجاعة، ويحول شهر العبادة إلى رحلة يومية للبحث عن لقمة العيش وسط ركام المنازل والمساجد التي لم تسلم من الاستهداف.
المصدر:
القدس