د.إمطاس شحادة: الاحتجاج ليس مجرد غضب بل فعل تمكين للمجتمع ورسالة رفض للخضوع والخوف
أمير مخول: نحتاج للعمل الجماعي المنظّم إلى جانب المبادرات الشعبية فهما معاً يشكلان قوة التغيير
سوسن سرور: ما يجري لم يعد يُختزل في أرقام بل في معاناة حقيقية خاصة لدى العائلات الثكلى
د.ثائر أبو راس: المجتمع الفلسطيني في الداخل استفاق وقال: كفى نريد حلاً لسرطان العنف والجريمة
وديع عواودة: هناك محاولات لإغراقنا في البحث عن الأمان بدلاً من الانشغال بالقضية الجوهرية
وديع أبو نصار: الاحتجاج مهم لكنه لا يكفي دون تعزيز التربية والتوعية للحد من جرائم العنف والجريمة
خاص بـ القدس
يحمل يوم التشويش القطري الذي دعت إليه عائلات ضحايا جرائم القتل في أراضي عام ٤٨ يوم الثلاثاء الماضي، تطوراً إضافياً على مسار الاحتجاجات الشعبية ضد تصاعد الجريمة والعنف بالتوازي مع الإهمال الرسمي من الحكومة الإسرائيلية.
وبحسب كتاب ومحللين ومختصين في أحاديثٍ منفصلة مع "ے" فإن الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي عام ٤٨ مجرد ظاهرة اجتماعية مقلقة أو أرقام تتصدر العناوين، بل تحوّلت إلى أزمةٍ وجودية تهدد الأمن الشخصي، والاستقرار الاقتصادي، وتماسك النسيج الاجتماعي برمّته. في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد الضحايا، واتساع رقعة العنف، يتعاظم شعور عام بأن المجتمع يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستسلام لواقع الدم والخوف، أو الانتقال إلى فعل جماعي منظم يفرض تغييراً حقيقياً.
في هذا السياق، برزت الاحتجاجات الشعبية بوصفها لحظة فارقة في مسار المواجهة؛ ليس فقط كصرخة غضب، بل كخطوة عملية تهدف إلى نقل القضية من هامش المعاناة إلى مركز الفعل؛ فقد حملت هذه التحركات رسالة مزدوجة: ضغط مباشر على الحكومة الإسرائيلية لتحمل مسؤولياتها، ورسالة داخلية تؤكد أن المجتمع لم يعد مستعدًا للصمت أو التعايش مع واقع الجريمة المفروض عليه.
وتشير التحليلات إلى اتساع دائرة الاتهام لتطال المؤسسة الحاكمة وأجهزة إنفاذ القانون، وسط اتهامات بالتقصير المتعمّد، بل وبالتواطؤ، في ظل فجوات صارخة في التعامل مع الجريمة بين المجتمعين العربي واليهودي. وبينما تتزايد الدعوات للاحتجاج والتصعيد وصولًا إلى العصيان المدني، يتبلور حراك شعبي واسع تقوده عائلات الضحايا وشرائح مدنية مختلفة، في محاولة لانتزاع الأمان وفرض تغيير في السياسات.
الجريمة السياسية.. أداة تفتيت المجتمع
يرى مدير برامج دراسات اسرائيل – مدى الكرمل د.إمطانس شحادة أن ظاهرة الجريمة والعنف في الداخل برزت بشكل واضح خلال السنوات العشرة الأخيرة داخل المجتمع العربي، في ظل رعاية وتواطؤ من المؤسسة الحاكمة، ولا سيما الشرطة.
ويشير إلى وجود مصالح مشتركة بين عصابات الإجرام وبعض الجهات الرسمية، هدفها تفتيت المجتمع العربي وإضعافه وبث الخوف في صفوفه.
ويضيف شحادة أن جزءًا من هذه النتائج يدفع إلى الهجرة، إذ إن نسبة لا بأس بها من أبناء الطبقة الوسطى، من شباب ومثقفين ومعلمين، باتوا يرون أن الوضع الأمني الشخصي لم يعد محتملا، كما أن تطوير الاقتصاد أصبح صعبا في ظل انتشار "الخاوة" وسيطرة عصابات الإجرام، بما يشكل خطرًا مباشرًا على الحياة والاستقرار.
ويؤكد شحادة أن هذه الظاهرة تُعد شكلًا من أشكال العقاب الموجه ضد المجتمع العربي، وجزءًا مما يمكن وصفه بالإبادة الاجتماعية والاقتصادية. فبينما يتعرض الشعب الفلسطيني في غزة لحرب إبادة، وتشهد الضفة الغربية احتلالاً متواصلاً وتوسيعاً للاستيطان واقتحامات واعتداءات من المستوطنين، يواجه الفلسطينيون في الداخل إرهاب عصابات الإجرام.
ويشدد شحادة على أن العنوان المركزي للمسؤولية هو الشرطة، التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، مؤكدا أنه من دون قرار سياسي واضح لا يمكن معالجة ظاهرتي الجريمة والعنف بجدية.
الاحتجاج كفعل تمكين لا مجرد صرخة غضب
ويضيف شحادة أن الاحتجاجات تمثل جزءًا من تمكين المجتمع، وهي صرخة غضب تعبّر عن رفض هذه الظاهرة. ويقول أنها تهدف أولًا إلى التأثير على المؤسسة الحاكمة من خلال المظاهرات والإضرابات، بما قد يدفعها إلى الخشية من تراكم عمل سياسي منظم، وثانياً إلى توجيه رسالة داخلية للمجتمع العربي بضرورة الابتعاد عن هذا المسار، ونبذ الانخراط فيه، وعدم الخضوع للخوف من عصابات العنف والجريمة.
ويؤكد شحادة على أن الظاهرة مقلقة وخطيرة جدًا، وتهدد تماسك المجتمع العربي في الداخل، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، ما يستدعي ردة فعل جماعية من مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني في الداخل، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، ولجنة المتابعة، والنقابات، للتصدي لهذه الظاهرة المتفاقمة.
نقلة نوعية في مسار النضال
يقول المختص بالشان الاسرائيلي أمير مخول أن يوم التشويش القطري يُعد فعليا خطوة مباركة وضرورية.
ويضيف أن هناك، دور للمنظّمين والمنظمات، فيما تبرز أهمية مشاركة أوساط جديدة، مثل الأطباء والجامعات، وهو ما يشير إلى آفاق أوسع للعمل المستقبلي، حيث أكد أن هذا العمل تراكمي، إذ لا يمكن، بنَفَسٍ قصير، القضاء على الجريمة المنظمة أو فرض تغيير السياسات على الدولة.
ويشير مخول إلى أن هناك نضال واسع تقوده لجنة المتابعة والحركة السياسية عموما، حيث يقصد لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل، بوصفها الإطار الكياني لهذا المجتمع، والتي تتابع هذا الملف منذ سنوات طويلة وتسعى إلى تغيير السياسات أو فرض تغييرها.
ويؤكد مخول ان التشويش يُشكل نقلة نوعية، كما حدث قبل أيام في مسيرة التشويش باتجاه القدس ومكتب رئيس الحكومة نتنياهو.
حيث يقول: "إن الحراك الذي شهدناه مؤخرا نقف إلى جانبه وندعمه. فجماهير شعبنا في الداخل تحتاج إلى الأمرين معا: العمل الجماعي المنظّم، والمبادرات الشعبي".
عصيانٌ شعبي يتصاعد
ويعتقد مخول ان هناك مئات المبادرات الشعبية في كل بلدة، وكل تجمع سكاني، وكل مدينة، تقوم بدور هائل حقا، وهي التي، إلى جانب لجنة المتابعة، حافظت على جذوة النضال طوال السنوات الماضية. وقد جاءت هذه الانطلاقة الأخيرة أيضا بعد العمل العصِيان النوعي الذي قام به أصحاب المحال التجارية في سخنين، وعلى رأسهم السيد علي الزبدات قبل نحو أسبوعين، وهو ما حرّك الشارع وأطلق عملية تضامن شعبي واسعة، وليس مجرد تضامن أو تبنٍّ سياسي.
ويضيف قائلاً: "نشهد اليوم تحولًا كبيرا في هذا السياق، باتجاه أشكال متعددة من العصيان ضد السياسات، وصولًا إلى تغييرها. ومع ذلك، لا نتوقع من الحكومة الإسرائيلية أن تغير سياساتها، فهي أصلًا غير معنية بذلك، لأن الجريمة جزء من سياستها وليست خارجها. فهناك وظيفة سياسية لمنظومة الجريمة، تتمثل في الإبقاء على حكم اليمين، وإضعاف المجتمع، وضرب تماسك المجتمع الفلسطيني من الداخل، وهي سياسة تُطبَّق لتخريب المجتمع الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وليس في الداخل فقط".
أهمية الاحتجاج لتغيير السياسات
ويضيف مخول: "قبل أيام، سمعنا عن فضيحة تهريب بضائع إلى غزة بمشاركة شقيق رئيس جهاز الشاباك، لكن الأخطر من ذلك هو تدفّق عشرات آلاف الحبوب المخدّرة الخطيرة التي تُستخدم لتخريب المجتمع الفلسطيني أينما كان، بهدف تقويضه، وتسهيل سياسات التهجير والتطهير العرقي، وإبعاده عن السياسة والعمل.
ويرى مخول ان ملف الجريمة يشكّل أولوية قصوى، مع الحاجة إلى العمل الجماعي المنظم، والعمل العفوي، مع أهمية الاحتجاج على كل حادثة تقع في أي بلدة، فضلًا عن دعم وتعزيز العمل الشعبي والمبادرات الشعبية، مع تأكيده أن كل هذه المسارات تلتقي في مسيرة واحدة، هي مسيرة النضال الشعبي لتغيير السياسات، وهذا هو الأساس.
ويوضح مخول انه من الطبيعي، باعتبار الشعب الفلسطيني داخل أراضي عام ٤٨ مجموعة قومية في أرضها ووطنها، أن يكون له كينوناته، وأن تصب كل الفعاليات في دعم هذا الأساس، وأن تقود الجماهير العربية الفلسطينية هذا النضال، سواء على المستوى القطري، أو من خلال لجنة المتابعة، أو عبر الهيئات الشعبية والمبادرات المختلفة، وأن تكون هي من يحدّد مصيرها.
ويؤكد أهمية تنظيم عائلات الضحايا وانخراطها بالفعاليات، وقد ظهر ذلك جليا في أعمال التشويش الأخيرة، إذ يمثل هذا التنظيم صوتا أخلاقيا يضيف بُعدا أخلاقيا مهما إلى العمل السياسي. لذلك، نحن بحاجة إلى التكامل بين جميع هذه الجهود.
ويوضح مخول أن الشعب الفلسطيني بالداخل المحتل يواجه فاشية إسرائيلية حقيقية، ويحتاج إلى دعم كل القوى المعنية، بما في ذلك القوى اليهودية التقدمية، ليس من باب الشفقة أو المجاملة، بل من أجل مواجهة الفاشية وفرض تغيير السياسات على الحكومة الإسرائيلية.
أرقام تكسر المقاييس ودموية تتصاعد
بدورها، تتساءل الصحافية والناقدة للمشهد السياسي في إسرائيل سوسن سرور كم أصبح عدد ضحايا الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل؟! هذا السؤال الذي بات يسأله كل صحافي من فلسطينيي الداخل صبيحة كل يوم!
وتقول: "حتى الان وصل عدد الضحايا من العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ٤٥ قتيلًا، منذ مطلع هذا العام، في حين أن عدد الضحايا كان في ذات الوقت من السنة الماضية ٣١ ضحية، علمًا أن السنة الماضية كانت مثقلة بدماء الضحايا وأثقال الجريمة المستفحلة، وبلغت مستوى غير مسبوق".
وأوضحت قائلة: " ٢٥٢ ضحية رقم ثقيل يكسر الرقم القياسي السابق المسجل عام ٢٠٢٣ ب ٢٤٤ ضحية، ليسجل عام ٢٠٢٥ كالأكثر دموية في تاريخ المجتمع الفلسطيني داخل أراضي الـ ٤٨، ونحن لا زلنا في منتصف الشهر الثاني من هذا العام، فبكم ستقفل قائمة الضحايا؟!"
وتضيف سرور فقط للمقارنة، قُتل ٦٦ يهوديًا في العام ٢٠٢٤، و٣٨ يهوديًا في العام ٢٠٢٣، علمًا أن عدد اليهود في إسرائيل حوالي أربعة أضعاف العرب.
الشرطة الإسرائيلية تتقاعس بمواجهة الجريمة
وتؤكد سرور انه بحسب المعطيات، فإن الشرطة الإسرائيلية تفكك رموز ٦٥% من جرائم القتل في المجتمع اليهودي، في حين لا تتعدى هذه النسبة ٢٠% في المجتمع العربي، جميعها معطيات، تلقي بظلالها القاسية والوخيمة على واقع ووجود الفلسطيني في البلاد.
وترى سرور ان تقاعس الشرطة الإسرائيلية في مواجهة تصاعد الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل متعمد، ويتحمل مسؤوليته رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي لا يتحدث أبداً تقريبًا عن ظاهرة الجريمة في المجتمع الفلسطيني، لكنه تطرق إليها، قبل أيام، من خلال مدح وزير الشرطة إيتمار بن جفير في أعقاب الحملة الشرطية التي نفذها في قرية ترابين الصانع في النقب ومقتل المواطن محمد حسين الترابين برصاص شرطي.
وتشير الى انه وفقًا لمعطيات نشرها مركز طاوب لدراسة السياسات الاجتماعية في "إسرائيل"، فإنه حتى العام ٢٠١٥ كانت نسبة جرائم القتل في المجتمع العربي وفي المجتمع اليهودي ٤ قتلى عرب مقابل قتيل يهودي واحد، وارتفعت هذه النسبة في العام ٢٠٢٣ إلى ١٣ قتيلًا عربيًا مقابل قتيل يهودي واحد، وارتفعت في العام ٢٠٢٤ إلى ١٤ قتيلًا عربيًا مقابل قتيل يهودي واحد. فهل بعد هذه الأرقام، سيبقى الصمت سيد الموقف لدى الفلسطينيين في إسرائيل؟ والإجابة بالطبع كلا، وهذا ما كان فعلًا.
وتقول سرور لأن الخطاب العام لدى الفلسطينيين في "إسرائيل" أخذ بالآونة الأخيرة منحى لافتًا في التعامل مع الجريمة، فلم يعد يتركز على عدد القتلى، ولم تعد الجريمة تُختزل في رقم يومي أو حصيلة سنوية فقط، فقد أخذت العائلات الثكلى والمتضررة، والهيئات المدنية، والناشطون حراكًا إجتماعيًا لافتًا، وتقوم بدور لافت وبارز ومتقدم عن المؤسسات الرسمية والقيادات المنتخبة، وهو ما أحدث تطورًا مرحليًا هامًا في التعامل مع الجريمة، لا سيما اذا ما أتيحت الفرص والمجالات والقدرات لها وللحراك الاجتماعي في العثورعلى طوق النجاة.
وتتابع سرور فمن صرخة وجع وألم رجل الأعمال أبو إبراهيم علي زبيدات التي ولدت هبة الكرامة ورفض الأتاوة في سخنين، إلى التظاهرات او الفعاليات شبه اليومية المنددة بتفشي الجريمة وانصياع القيادات الرسمية لهذه الضغوطات والرضوخ لطلب توحيد الأحزاب العربية وعدم استمرار التشظي بينها وإعادة تشكيل القائمة المشتركة من أجل الهدف الأسمى بحماية الناس، وهي خطوة، على ما يبدو، كانت ضرورية، ولم تترك لأي معارض أية فرصة للرفض.
مشاركة العائلات الثكلى ترجمة لأوجاع الجريمة
ونؤكد سرور أن الحقيقة التي لا خلاف عليها، هي خطوات اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، ولجنة المتابعة للجماهير العربية في "إسرائيل"، ضد الجريمة والعنف التي أثبتت عدم جدواها بمعزل عن الحراك الاجتماعي، الذي تقوده آهات وأوجاع العائلات الثكلى وأيتام الجريمة، والمصابون جسديًا ونفسيًا واقتصاديًا، والذين من شأنهم أن يترجموا خسائر الجريمة ليس فقط بالأرقام وإنما بالأوجاع والمعاناة الحقيقية.
وترى سرور أن أيام التشويش التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، هامة، لكنها استقطبت شريحة هشة جدا من جميع أنحاء البلاد، لا تتعدى بضعة آلاف، حيث نجح هذا النشاط باستقطاب بعض وسائل الاعلام العبرية، بعد أن اقتصر سابقًا وانحصرت التغطية في الاعلام العربي.
ووصفت ذلك بقولها: "إن الشعور والواقع يؤكدان أن ما كان من فعاليات مجرد سحابة صيف ومرت".
وتوضح سرور ضرورة استمرار الحراك الاجتماعي المدني اللا حزبي وتصعيده حتى يبقى تأثيره ملحوظاً ومؤثرًا سواءً على المواطن العادي أو متخذي القرارات في الحكومة الإسرائيلية.
حالة طوارئ قبل الإضراب العام
وتعتبر سرور أن قرار لجنة المتابعة الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام تنديداً بتفشي الجريمة، وهي خطوة مباركة، "لكن إلى أن يحين موعد هذا الإضراب (المفترض بدءه بعد شهرين من الآن)، يجب الإعلان عن حالة طوارئ بشكل فوري، مع الإستمرار في تنظيم وتنفيذ تشويشات ومظاهرات وفعاليات وحدوية إن لم تكن يومية فأسبوعية وصولًا للعصيان المدني، إذا اقتضى الأمر، وذلك من أجل إنجاح النضال وعدم إضاعة البوصلة التي أشارت منذ زمن وتشير دائمًا إلى الحلول الجذرية التي يجب أن تنطلق من الحكومة الإسرائيلية أولًا" على حد قولها.
ذروة حراك لم يشهده الداخل منذ ٢٥ عاماً
يرى المحلل السياسي د. ثائر أبو راس أن يوم التشويش القطري يُعد ذروة لفعاليات عدة ومتنوعة في الداخل خلال الأسبوعين الأخيرين، وهذه هي النقطة المركزية برأيي.
ويضيف: "نحن أمام ذروة عمل سياسي أو نشاط جماهيري سياسي لم نشهده منذ ما لا يقل عن 25 عامًا في الداخل الفلسطيني. هناك شعور عام بأن المجتمع قد استفاق وقال: كفى، نريد حلًا لسرطان العنف والجريمة الذي يتفشى داخل المجتمع منذ سنوات طويلة".
ويؤكد ابو راس أنه في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وصلت المعطيات إلى أرقام لم يعد بإمكان الإنسان تقبّلها؛ فقد شهدت الفترة بين عامين 2022 و2023 نسبة تزيد على 200% من ضحايا القتل، ومنذ عام 2023 وحتى اليوم هناك ارتفاع متواصل وكبير في عدد الضحايا. وحتى في عام 2026، وخلال الشهر الأول أو الشهر والنصف الأول، وصلت أعداد القتلى وحوادث إطلاق النار إلى مستويات غير معقولة.
الأكثر عنفاً في العالم
ويشير أبو راس إلى أن لو كان المجتمع العربي في الداخل دولة مستقلة، لكانت من بين أكثر الدول عنفًا في العالم، بل أكثر من دول لديها سمعة سيئة في هذا المجال مثل كولومبيا أو المكسيك، على سبيل المثال.
ويرى أبو راس أن مجرد هذا التنظيم الجماهيري يُعد الحدث الأبرز، وما ساعده على النجاح أنه، وللمرة الأولى، لم يخرج من القيادات ولم يفرض من النخب السياسية على المجتمع، بل خرج من رحم المجتمع العربي نفسه؛ فالذين بادروا عمليًا إلى الإضراب الأول، ثم إلى مظاهرة سخنين التي كانت الأكبر في تاريخ الجماهير العربية، كانوا فعليًا من طبقة التجار في سخنين، الذين خرجوا احتجاجا على ظاهرة "الخاوة" في المجتمع العربي، وعلى عدم قدرة الدولة أو عدم رغبتها، وكذلك الشرطة الإسرائيلية، في التعامل مع هذه الظاهرة.
عام انتخابي يغير القواعد
وتساءل ابو راس: هل ستكون هناك استمرارية لهذا الزخم؟ وهل سيتم استغلاله لفرض بلورة خطة عمل حقيقية على الحكومة الإسرائيلية للتعامل مع هذا الموضوع، خاصة أننا في سنة انتخابات، وهو المتغير الأهم؟
ويقول ابو راس: "كوننا في سنة انتخابات يعني أن هناك آذانا صاغية لدى الحكومة الإسرائيلية والنخبة السياسية الإسرائيلية، ما قد يتيح إمكانية القيام بخطوة ما في نهاية المطاف".
كما ويشير إلى أن الحكومة الاسرائيلية غير معنية بخروج الجماهير العربية للتصويت في الانتخابات القادمة، وهي تعلم أن موضوع العنف يستفزّ هذه الجماهير، وقد يشكل حافزا لها للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وربما هذا ما قد يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى الشعور بضرورة القيام بشيء ما، لعل الجماهير العربية لا تستخدم هذا الملف ضدها في الانتخابات المقبلة.
خطر استراتيجي يتطلب ردًا استراتيجياً
يقول المختص بالشأن الاسرائيلي وديع عواودة أن الشعب الفلسطيني بالداخل المحتل أمام خطر استراتيجي، وبالتالي فإن رد الفعل يجب أن يكون استراتيجيا من قبل العرب الفلسطينيين في "إسرائيل".
ويؤكد عواودة على ضرورة إعداد برنامج عمل، وخطة مثابرة، ونَفَس طويل، والبحث عن شركاء وحلفاء في الجانب اليهودي.
حكومة متواطئة تشعل البيت من الداخل
ويضيف عواودة: "نحن أمام حكومة بليدة الإحساس، متواطئة بشكل فاضح وسافر مع عصابات الإجرام ضدنا، في محاولة لإشعال البيت من الداخل، وإشغالنا عن الموضوع السياسي الجوهري، سواء كان المحلي أو القضية الفلسطينية المرتبطة بشعبنا، وإغراقنا في قضايا البحث عن الأمان والاطمئنان، وهو الحق الأساسي والأولي لكل مواطن ولكل إنسا".
ويشدد عواودة على الحاجة إلى الضغط والاستمرار في الاحتجاج. فالمجتمع العربي الفلسطيني في "إسرائيل" يقف أمام تحدٍّ استراتيجي كبير يهدد كل ما تم إنجازه مسبقاً، والذي يهدد الماضي والحاضر والمستقبل الفلسطيني.
تهجير صامت عبر نشر اليأس
ويوضح عواودة بوصفه: "يهدد ماضينا لأنه يبدد ما حققناه من صمود وتطور وحفاظ على الهوية وجذوتها؛ ويفسد حاضرنا لأنه يشغلنا بقضايا جانبية كان يفترض ألا تطغى على أولوياتنا، ويُبعدنا عن القضايا الأساسية والجوهرية؛ ويهدد مستقبلنا لأنه يفتح باب الهجرة، وربما يكون ذلك هو الهدف المقصود، أي دفع الشباب إلى اليأس والهجرة من هنا".
ويضيف عواودة أن هذا جزء من تصور هذه الحكومة لحسم الصراع مع الفلسطينيين عبر التهجير، بما في ذلك التهجير الصامت، من خلال نشر اليأس والتيئيس وما إلى ذلك.
ويؤكد عواودة أن الردّ، يجب أن يكون نَفَسا طويلًا، ومثابرة، ومشاركة واسعة، ووحدة صف، انطلاقًا من مبدأ أن ما يحدث اليوم عند جاري قد يحدث غدا في بيتي. ومن يعتقد أنه سيكون بمنأى عن هذه الأوضاع، ولا يتدخل أو يشارك في الاحتجاج، فهو مخطئ.
وختم عواودة بقوله: "للأسف الفعاليات السياسية والأهلية وقدراتها في التعبئة والتحشيد والتعامل مع هذا الملف تحتاج إلى الكثير من الدعم والكثير من الإصلاح. فالخطاب أصبح متكلسا، واللغة التعبوية ضعيفة، ولا توجد خطة عمل واضحة أو رؤية متكاملة. بل إنني أشك في وجود برنامج عمل ورؤية واضحة لدى القيادات، نتيجة التقادم، والفساد السياسي، وتراجع العمل السياسي، إلى غير ذلك".
لا مبالاة رسمية تغذي الجريمة
من جانبه يؤكد المحلل السياسي وديع أبو نصار أن تفاقم الجريمة داخل المجتمع العربي في الداخل أمر خطير ومثير للغضب، ويبعث على قلق كبير، إذ لم يعد هناك مكان آمن، ولا شعور بأن الأوضاع تتجه نحو التحسن، بل على العكس هناك إحساس بتراجع مستمر.
ويشير إلى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة، ولا سيما الحكومة الإسرائيلية، التي تبدو وكأنها ليست صامتة فحسب، بل تتعامل بقدر من اللامبالاة، وكأنها تغذي الجريمة بدلا من مكافحتها بشكل جدي وفعال.
ويضيف أبو نصار أنه رغم إسهام الغالبية من أبناء مجتمعنا في الاحتجاج على الجريمة المتفشية بوسائل متعددة، فإن الحكومة ومؤسسات الدولة ما زالت تتجاهل هذه التحركات، ولا تقوم بدورها في محاربة الجريمة كما تفعل في المجتمع اليهودي.
تعزيز المنظومة التربوية يحد من تفشي الجريمة
وفي المقابل، يشدد أبو نصار على ضرورة عدم إغفال وجود خلل تربوي لدى بعض أفراد المجتمع، فمع الإقرار بتقصير الدولة، لا بد من التنبه إلى أن المواطنين العرب عانوا من تمييز عنصري منذ قيام الدولة، وقد تفاقم هذا التمييز بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة.
ويؤكد أبو نصار أن المطلوب لا يقتصر على الاحتجاج، رغم أهميته، بل يتعداه إلى تعزيز التربية والتوعية بدءًا من الأسرة والمدرسة، بما يسهم في الحد من تفشي الجريمة داخل المجتمع.
ويرى أبو نصار أن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، خاصة في ظل الحكومة اليمينية التي لا تستجيب للإضرابات والمظاهرات والمطالبات، مشيراً إلى أهمية السعي لتدويل القضية عبر حث جهات دولية مؤثرة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية ويهود المهجر، للضغط على الحكومة الإسرائيلية كي تتحمل مسؤولياتها في هذا الشأن.
المصدر:
القدس