صدر حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، كتاب جديد للباحث محمود عبد الحي الديب بعنوان 'قطاع غزة تحت الإدارة المصرية (1957-1967)'. ويعد هذا العمل استكمالاً لمشروع بحثي بدأه المؤلف لتوثيق الحقبة التي تلت نكبة عام 1948، حيث يركز في هذا الجزء على العقد الذي سبق نكسة حزيران، مبرزاً التحولات السياسية والاجتماعية التي صاغت ملامح القضية الفلسطينية في تلك الفترة.
يرى المؤلف أن الفترة الثانية من الحكم المصري للقطاع كانت من أكثر المراحل تأثيراً، إذ شهدت صعود القومية العربية وتنامي الدور المصري في حماية الهوية الفلسطينية. وقد سعت القاهرة خلالها لجمع شتات الفلسطينيين على أرض القطاع، في مواجهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لتهويد المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو ما أفشله صمود الأهالي وتكاتف الإدارة المصرية معهم.
اتسمت السياسة المصرية بعد عدوان 1956 بالتوجه نحو تقوية مؤسسات القطاع ليكون نواة لدولة فلسطينية مستقبلية. وفي هذا السياق، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القرار رقم 253 لعام 1957 بتعيين محمد حسن عبد اللطيف حاكماً إدارياً للقطاع، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم الإداري الذي اعتبر غزة خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري والجبهة الشرقية.
يكشف الكتاب عن كواليس الخلافات السياسية التي رافقت إعداد مسودة الدستور، حيث نشب نزاع بين الحاكم الإداري وحيدر عبد الشافي، رئيس المجلس التشريعي آنذاك. وكان جوهر الخلاف يدور حول رؤية عبد الشافي بجعل غزة وطناً لكل الفلسطينيين ومركزاً لجمع الشتات من دول اللجوء، وهي الرؤية التي استطاع إقناع الرئيس عبد الناصر بها لاحقاً لتعزيز رمزية القطاع كأرض فلسطينية محررة.
على الصعيد التنظيمي، دعمت الإدارة المصرية تشكيل 'الاتحاد القومي العربي الفلسطيني' في مارس 1959. وهدف هذا الكيان إلى تعبئة طاقات الشعب الفلسطيني لتحرير الأرض ومقاومة الصهيونية العالمية، مع تبني مبادئ المجتمع الاشتراكي الديمقراطي، مما ساهم في انخراط القوى الوطنية في العمل السياسي المنظم تحت مظلة العروبة.
يشير الديب إلى أن التحولات السياسية أثرت بشكل مباشر على التركيبة الاجتماعية، حيث ارتبط أهالي غزة عاطفياً وسياسياً بالقيادة المصرية. وقد ساهم حصول مصر على أسلحة حديثة ومشروعات الوحدة في تعزيز شعبية التيار القومي، مما دفع حركات أخرى مثل الإخوان المسلمين إلى الانتقال للعمل السري في تلك الحقبة نتيجة التغير في موازين القوى الشعبية.
في عام 1962، وجد القائد الراحل ياسر عرفات في سياسات عبد الناصر بيئة خصبة لإعلان النظام الدستوري للقطاع. وانطلق عرفات من مبدأ ضرورة اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم في تحرير وطنهم، وهو ما اعتبره المؤلف عاملاً رئيساً في دفع الأمة العربية نحو مواجهة مباشرة وأكثر جدية مع الاحتلال الإسرائيلي لحسم مصير القضية.
اقتصادياً، شهد قطاع غزة في الستينيات 'عصراً ذهبياً' من الازدهار التجاري، مستفيداً من تسهيلات واسعة في قيود التجارة الخارجية. وتحول القطاع إلى مركز تسويقي جاذب للمصريين، كما ساهمت القوة الشرائية لقوات الطوارئ الدولية المتمركزة هناك في تنشيط الحركة المالية، رغم التحديات التي واجهت قطاعي الصناعة والثروة السمكية بسبب نقص التمويل والقيود الإسرائيلية.
اعتمد اقتصاد غزة حينها بشكل أساسي على 'السلعة الواحدة'، حيث شكلت الحمضيات نحو 90% من إجمالي الصادرات. ويوثق الكتاب قفزة نوعية في الإنتاج، إذ ارتفعت الصادرات من 500 ألف صندوق عام 1960 إلى مليون ونصف المليون عام 1966، وهو واقع يتناقض بشكل مأساوي مع ما يشهده القطاع اليوم من تجريف للأراضي الزراعية وسياسة تجويع ممنهجة.
في قطاع التعليم، تقاسمت الإدارة المصرية المسؤولية مع وكالة 'الأونروا'، حيث تولت الحكومة المصرية تأمين التعليم بكافة مراحله للمواطنين، بالإضافة إلى التدريب المهني وإعداد المعلمين. ويذكر المؤلف أن مصر كانت تدفع مبالغ لدعم تعليم أبناء اللاجئين في المدارس الثانوية، مما ساهم في بناء جيل متعلم ومثقف رغم ظروف اللجوء الصعبة.
لم يغفل الكتاب الجانب الديني والثقافي، حيث تم افتتاح المعهد الأزهري في غزة عام 1958 بناءً على طلب وجهاء القطاع وبتوجيه من الرئيس عبد الناصر. وجاءت هذه الخطوة للتصدي لحملات التبشير والأفكار الغربية التي كانت تحاول التغلغل عبر بعض المؤسسات الدولية، وليكون المعهد منارة للتعليم الديني التابع للأزهر الشريف في قلب فلسطين.
صحياً، كان للإدارة المصرية دور ريادي في تأسيس البنية التحتية الطبية التي ما زالت قائمة حتى اليوم. فقد تم افتتاح مستشفى ناصر في خانيونس عام 1959، وتبعه مستشفى الشفاء في غزة، وتم تزويدهما بأحدث التجهيزات الطبية آنذاك، وهي المؤسسات التي تتعرض اليوم للقصف والحصار المستمر خلال حرب الإبادة الجارية.
يتناول الكتاب أيضاً قضية اللاجئين داخل الأراضي المصرية، مسلطاً الضوء على مأساة قبيلة 'العزازمة' التي طردها الاحتلال عام 1959. ورغم اعتراف الجهات الدولية بصفة اللجوء عليهم، إلا أن 'الأونروا' رفضت إعالتهم بحجج ميزانية، مما دفع الحكومة المصرية لتجميعهم وإسكانهم في معسكرات تابعة للقوات المسلحة وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
ختاماً، يستعرض المؤلف الأيام الأخيرة للإدارة المصرية قبيل حرب 1967، موضحاً دور قوات الطوارئ الدولية وتوزيعها الجغرافي. ويؤكد أن انسحاب هذه القوات مهد الطريق للعدوان الإسرائيلي، حيث صمدت المقاومة الفلسطينية والمصرية في خانيونس ورفح ببسالة أمام 'خطة تال' العسكرية، قبل أن يتمكن الاحتلال من السيطرة على القطاع وعزله عن العمق المصري.
المصدر:
القدس