تشهد سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ أواخر عام 2022 تصعيداً غير مسبوق في سياسات القمع والتنكيل، يقودها وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها صباح الجمعة، 13 فبراير 2026، حين اقتحم بن غفير زنازين الأسرى في سجن عوفر قرب رام الله، في خطوة استعراضية تهدف إلى تعزيز صورته أمام جمهوره المتطرف.
وأفادت مصادر حقوقية بأن بن غفير شارك شخصياً في الاعتداء على الأسرى، حيث قام بالدوس على رؤوسهم خلال عمليات القمع التي نفذتها وحدات خاصة. وترافق الاقتحام مع استخدام مكثف للكلاب البوليسية وقنابل الصوت داخل الأقسام، وسط تغطية إعلامية إسرائيلية تعمدت نشر مشاهد الإذلال لترهيب المجتمع الفلسطيني.
ونقلت محامية زارت القسم 26 في سجن عوفر شهادات قاسية عن الأسرى، أكدوا فيها أن الاقتحام تم خلال وقت الفحص الأمني المسائي واستمر لنحو ربع ساعة من التنكيل المتواصل. ويهدف بن غفير من نشر هذه المقاطع المصورة إلى تحويل معاناة الأسرى إلى مادة للدعاية السياسية، تزامناً مع مساعيه المحمومة لإقرار قانون إعدام الأسرى.
وفي سياق التهديدات المستمرة، حذر بن غفير الأسرى من القيام بأي تحركات احتجاجية خلال شهر رمضان المبارك، مهدداً بتشديد العقوبات إلى أقصى حد. وتباهى الوزير المتطرف بأن السجون تحولت في عهده إلى 'جحيم حقيقي'، معتبراً أن سلب حقوق الأسرى الأساسية هو وسيلة ناجعة لتحقيق الردع الأمني.
وعلى الصعيد المؤسسي، أعلنت مصلحة السجون الإسرائيلية في ديسمبر الماضي تبنيها الكامل لسياسات بن غفير، مؤكدة عدم وجود أي نية لتخفيف شروط الاحتجاز القاسية. ويرى مراقبون أن هذا التناغم بين المستوى السياسي والجهاز التنفيذي يعكس تحول القسوة من ممارسات فردية إلى عقيدة رسمية تتبناها مؤسسات الاحتلال.
وبالتوازي مع القمع الميداني، يواصل حزب 'القوة اليهودية' الضغط لتمرير قانون إعدام الأسرى الذي اجتاز القراءة الأولى في الكنيست بنوفمبر 2025. ويهدف هذا التشريع إلى شرعنة عمليات القتل وتصفية الأسرى تحت غطاء قانوني، مما يحول السجون من مراكز احتجاز إلى معسكرات للإبادة البطيئة الممنهجة.
وتشير التقارير الطبية والحقوقية إلى انهيار كامل في المنظومة الصحية داخل السجون، حيث ينتشر الإهمال الطبي المتعمد والتجويع كأدوات للتعذيب. وقد سجلت المؤسسات الحقوقية ارتفاعاً حاداً في حالات الوفاة نتيجة الضرب المبرح والاعتداءات الجنسية الممنهجة التي يتعرض لها المعتقلون، خاصة أولئك المنحدرين من قطاع غزة.
وأعلن نادي الأسير الفلسطيني ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة في غزة إلى 88 شهيداً، كان آخرهم ضابط الإسعاف حاتم ريان. وتؤكد البيانات أن 52 من هؤلاء الشهداء هم من معتقلي غزة الذين قضوا تحت التعذيب، فيما لا يزال مصير العشرات مجهولاً بسبب سياسة الإخفاء القسري.
ووصلت حصيلة شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 325 شهيداً، في حين تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 96 أسيراً استشهدوا داخل السجون. وتعتبر هذه المرحلة هي الأكثر دموية في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث تحول الموت إلى نتيجة متوقعة للاعتقال في ظل غياب الرقابة الدولية.
وحتى مطلع عام 2026، تجاوز عدد الأسرى في سجون الاحتلال 9300 أسير، من بينهم 350 طفلاً يواجهون ظروفاً لا إنسانية. كما ارتفع عدد المعتقلين الإداريين إلى 3300 شخص، يُحتجزون دون تهمة أو محاكمة، ضمن سياسة الاعتقال الجماعي التي ينتهجها الاحتلال كأداة للعقاب السياسي.
وفي تصعيد ميداني جديد، نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية طالت 60 فلسطينياً على الأقل منذ مساء الأحد وحتى صباح الاثنين. وشملت الاعتقالات سيدات وصحفية وأسرى سابقين، وتخللها عمليات تخريب واسعة للمنازل وترهيب للعائلات قبيل حلول شهر رمضان.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 قد تجاوز 22 ألف حالة، وهو رقم يعكس حجم الهجمة المسعورة ضد الفلسطينيين. وتتم هذه الاعتقالات بشكل يومي ومنهجي، حيث يخضع المعتقلون لتحقيقات ميدانية قاسية وظروف احتجاز حاطة بالكرامة الإنسانية.
ويرى خبراء أن سياسات 'الردع' التي يسوقها بن غفير قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفجر الأوضاع في كافة الأراضي الفلسطينية. فالضغط الممارس داخل السجون، إلى جانب عمليات القتل والتجويع، يخلق حالة من الاحتقان الشعبي الذي لا يمكن احتواؤه، ويحول السجون إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
إن المشروع الذي يقوده اليمين المتطرف في إسرائيل يتجاوز مفهوم العقاب التقليدي ليصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية وفقاً لتصنيفات المنظمات الدولية. وفي ظل صمت المجتمع الدولي، تواصل منظومة الاحتلال توسيع 'مثلث الموت' المتمثل في التعذيب والتشريع العنصري والإعدام الميداني، مما يهدد حياة آلاف الأسرى.
المصدر:
القدس