تواجه المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرنشيسكا ألبانيزي، موجة جديدة من الهجمات السياسية الممنهجة التي تستهدف نزاهتها المهنية وموقفها المستقل. وتأتي هذه الحملة في سياق محاولات مستمرة لتقويض القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بتوثيق الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وتعتمد الحملة الحالية على تحوير متعمد لمداخلة مسجلة قدمتها ألبانيزي في منتدى دولي بالدوحة، حيث تم اجتزاء كلماتها لتصويرها كخطاب كراهية.
بدأت خيوط التحريض في فرنسا عبر تحركات برلمانية قادتها النائبة كارولين يادان، المعروفة بمواقفها المتطرفة في دعم تل أبيب، حيث روجت لفيديو مجتزأ يظهر ألبانيزي وهي تتحدث عن 'عدو الإنسانية'. ورغم أن السياق الأصلي للحديث كان يتناول النظام العالمي الذي يغلب المصالح الاقتصادية على الحقوق، إلا أن الترويج المضلل دفع بوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو للمطالبة بإقالتها. وقد أثار هذا الموقف انتقادات واسعة نظراً لعدم استناد الوزير إلى تقارير دقيقة قبل إطلاق تصريحاته الرسمية.
لم تقتصر الضغوط على باريس، بل امتدت لتشمل وزراء خارجية ألمانيا وهنغاريا وجمهورية التشيك الذين انضموا إلى جوقة المطالبين برحيل المقررة الأممية. ويأتي هذا التصعيد رغم قيام وسائل إعلام فرنسية ودولية بنشر تكذيبات رسمية للمعلومات المنسوبة لألبانيزي، واعتراف الخارجية الفرنسية بوقوع 'تحوير' في المحتوى. وتعكس هذه التحركات رغبة سياسية في إسكات الأصوات الحقوقية التي نجحت في استقطاب تعاطف ملايين الطلاب والناشطين في الغرب.
بالتوازي مع الضغوط الأوروبية، فرضت إدارة دونالد ترامب عقوبات على ألبانيزي، في خطوة تذكر بالعقوبات التي استهدفت سابقاً المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها. وتستهدف هذه الإجراءات العقابية تقرير ألبانيزي الذي كشف عن تورط شركات عالمية كبرى في تمويل العمليات العسكرية في غزة أو الاستفادة منها اقتصادياً. وتكشف هذه العقوبات عن توجه واشنطن للإطاحة بأي مؤسسة دولية قد تضع قيوداً على حرية التحرك العسكري لحلفائها.
يربط مراقبون بين هذه الحملة وبين مفهوم 'نادي الأقوياء' الذي يمنح الحصانة للنافذين ويحمي المنظومات التي تنتهك القوانين الدولية دون رادع. ويظهر هذا التشابك في كيفية تعامل النظام العالمي مع ملفات شائكة مثل قضية جيفري إبستين، حيث يتداخل الفساد المالي والسياسي مع الإفلات من العقاب. إن المقارنة بين التواطؤ مع شبكات الفساد الدولية والتواطؤ مع الجرائم في غزة تظهر بوضوح كيف يتم تهميش المؤسسات القانونية عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
تعتبر ألبانيزي في نظر خصومها 'كابوساً' لأنها امرأة متحررة من الخوف تدافع عن حقوق الضعفاء في مواجهة سلطة المحصنين سياسياً. ورغم تجديد ولايتها من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حتى عام 2028، إلا أن محاولات اغتيالها معنوياً لا تتوقف. وتتجاوز هذه الهجمات شخص المقررة لتستهدف جوهر القانون الدولي، محاولةً تحويل منظمة الأمم المتحدة إلى هيكل فاقد للسلطة المعنوية إذا ما خالفت قراراته التوجهات الأمريكية أو الإسرائيلية.
إن الدفاع عن فرنشيسكا ألبانيزي في هذه المرحلة يعد واجباً يتجاوز التقدير لشجاعتها الشخصية، ليكون دفاعاً عن المبادئ الإنسانية التي ترفض الابتزاز والتزوير. فالعالم اليوم يشهد صراعاً بين منطق البطش ومنطق العدالة، حيث يسعى 'مناصرو الحصانة المطلقة' لإسكات أي صوت يؤجج الوعي لدى الأجيال الجديدة. ويبقى الثبات على الحقوق الفلسطينية وتطبيق قرارات محكمة العدل الدولية هو الاختبار الحقيقي لما تبقى من نزاهة في المنظومة الدولية.
المصدر:
القدس