لم يكن الحكم الصادر مؤخراً عن المحكمة العليا في لندن مجرد إجراء قانوني روتيني لإنهاء نزاع إداري بين وزارة الداخلية وحركة احتجاجية، بل مثل لحظة مكاشفة عميقة داخل بنية النظام الديمقراطي البريطاني. فقد جاء القرار ليفحص حدود السلطة التنفيذية في تأويل مفهوم الخطر القومي، ومدى انضباط هذا التأويل بالمعايير القانونية الصارمة التي تحمي الحريات العامة.
منذ أن شرعت الحكومة البريطانية في إجراءات حظر حركة 'فلسطين أكشن' وإدراجها ضمن قوائم الإرهاب، بدا أن الصراع يتجاوز مجرد تقييم سلوك نشطاء ميدانيين. لقد لامست القضية منطقة حساسة تتعلق بكيفية تعريف الدولة للتهديد، وما إذا كان الاحتجاج ضد صناعة السلاح يمكن أن يتحول قانونياً من فعل جنائي إلى نشاط إرهابي.
استندت السلطات البريطانية في مرافعتها للدفاع عن قرار الحظر إلى وقائع مادية موثقة شملت اقتحام منشآت صناعية وتعطيل أنشطة اقتصادية حيوية. ورأت الدولة أن هذه الأفعال، التي تستهدف قطاع السلاح المرتبط بالأمن الاستراتيجي، تمثل نمطاً من الضغط المادي المنظم الذي يتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي المتعارف عليه.
في المقابل، قدمت حركة 'فلسطين أكشن' عبر فريقها القانوني تصوراً مغايراً يرتكز على التمييز الجوهري بين الجريمة الجنائية والعمل الإرهابي. ودفعت الحركة بأن نشاطها يندرج تحت إطار العصيان المدني التاريخي، مؤكدة أن أفعالها استهدفت ممتلكات تسهم في إدامة النزاعات المسلحة ولم تستهدف الأرواح البشرية.
الحجة المركزية للدفاع لم تكن تهدف لتبرير التخريب أو نفي وقوعه، بل كانت اعتراضاً مبدئياً على نقل الفعل من القانون الجنائي العادي إلى قانون الإرهاب. فالتكييف القانوني كإرهاب يترتب عليه أوصاف أشد جسامة وتبعات قانونية وحقوقية واسعة النطاق تمس جوهر الحق في التعبير والاحتجاج السياسي.
تدخلت المحكمة العليا لتفحص سلامة الأساس القانوني الذي بني عليه قرار الحظر، منطلقة من 'مبدأ التناسب' الراسخ في الفقه القضائي الأوروبي. ويقضي هذا المبدأ بأن مشروعية الهدف الذي تسعى إليه الدولة لا تمنحها الحق التلقائي في استخدام أي وسيلة، مهما كانت قاسية، لتحقيق ذلك الهدف.
أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن إدراج أي تنظيم في لائحة الإرهاب يتطلب توفر 'قصد إرهابي' محدد كما نص عليه قانون عام 2000. وأوضحت أن مجرد وقوع أضرار مادية أو تخريب للممتلكات لا يكفي لإضفاء صفة الإرهاب، ما لم يقترن ذلك بنية واضحة لترهيب الجمهور أو ممارسة ضغط غير مشروع.
بهذا الحكم، أعاد القضاء البريطاني التأكيد على ركيزة أساسية في القانون الحديث، وهي أن ليس كل عنف يمكن اعتباره إرهاباً بالضرورة. فالمحكمة رأت أن الدولة تملك بالفعل ترسانة من القوانين الجنائية الكافية لمحاسبة الأفراد المتورطين في أعمال التخريب دون الحاجة للجوء إلى قوانين الطوارئ.
استدعت المحكمة المادتين العاشرة والحادية عشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرة أن الحظر الكلي يمثل تدخلاً جذرياً في حرية التجمع. وشدد القضاة على أن مثل هذا الإجراء لا يمكن تبريره إلا إذا أثبتت الدولة أنه ضروري ومتناسب تماماً مع حجم التهديد في مجتمع ديمقراطي مفتوح.
رغم أن اعتراض الحكومة يظل مفهوماً من الناحية الأمنية، خاصة فيما يتعلق بحماية القطاعات الصناعية الحساسة، إلا أن القضاء رفض الانجرار خلف القلق السياسي. فالمعايير القانونية المستقرة تقتضي حماية الحدود التعريفية للمصطلحات القانونية منعاً لتمددها واستخدامها ضد أشكال أخرى من المعارضة السياسية مستقبلاً.
يُفهم هذا الحكم بوصفه عملية تصحيح لميزان القوى داخل الدولة البريطانية، حيث لا يمنح القرار حصانة لأعمال التخريب أو الاعتداء على الممتلكات. بل هو يعيد هذه الأفعال إلى سياقها القانوني الصحيح، مؤكداً أن قوة الدولة الحقيقية تكمن في مدى التزامها وانضباطها بنصوص القانون ومبادئ العدالة.
إن استقلال القضاء في هذه القضية لم يتجلَ في مجرد معارضة توجهات الحكومة، بل في حماية 'التعريف القانوني' من التمدد السياسي غير المنضبط. وقد أثبتت المحكمة أن التشريعات الاستثنائية يجب أن تظل استثنائية، ولا يجوز تحويلها إلى أداة لقمع الحركات الاحتجاجية مهما كان نشاطها مثيراً للجدل.
في نهاية المطاف، يمثل هذا القرار انتصاراً للمبدأ القانوني على الخطاب السياسي الآني، حيث أعيد تعريف الخطر في ميزان القانون لا في أروقة السياسة. وتظل تجربة 'فلسطين أكشن' أمام القضاء البريطاني نموذجاً لكيفية صمود المؤسسات القضائية في وجه محاولات تسييس القوانين الجنائية تحت ذريعة الأمن القومي.
المصدر:
القدس