آخر الأخبار

محاكمة معتقلي تنظيم الدولة في العراق: الأبعاد والتفاصيل

شارك

أعلنت خلية الإعلام الأمني في العراق عن استكمال كافة عمليات نقل معتقلي تنظيم الدولة من الأراضي السورية إلى العاصمة بغداد. وأكدت مصادر رسمية أن هذه العمليات جرت وفق خطط أمنية محكمة وتحت إشراف مباشر من الجهات المختصة، إيذاناً بانتقال الملف من المسار الميداني العسكري إلى المسار القضائي الرسمي.

وكشف المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي التابع لمجلس القضاء الأعلى عن إحصائيات دقيقة للمعتقلين، حيث بلغ عددهم 5704 معتقلاً ينتمون إلى 42 جنسية مختلفة. وتُشير البيانات إلى أن من بين هؤلاء أكثر من 3500 سوري، بالإضافة إلى نحو 1000 معتقل أجنبي من دول غير عربية، وُصف بعضهم بالعناصر شديدة الخطورة.

بدأت السلطات القضائية في بغداد بالفعل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتعامل مع هذا العدد الضخم من المتهمين. ويعكس هذا التحرك رغبة العراق في حسم الملف العابر للحدود، رغم التحديات الأمنية واللوجستية الكبيرة التي تفرضها طبيعة الجرائم المنسوبة لهؤلاء العناصر وتعدد جنسياتهم.

في سياق متصل، برزت انتقادات حادة للموقف الأوروبي الذي اتسم بالازدواجية تجاه مواطنيه المنخرطين في التنظيم. فبينما تطالب دول الاتحاد الأوروبي بضمان محاكمات عادلة وفق المعايير الدولية، ترفض في الوقت ذاته استعادة رعاياها، مما يلقي بالعبء الأمني والقانوني والمالي كاملاً على كاهل الدولة العراقية.

ويرى مراقبون أن محاكمة هؤلاء المقاتلين في العراق تمثل حلاً عملياً للدول الغربية لإبعاد مخاطر الإرهاب عن أراضيها. ومع ذلك، يثير هذا التوجه تساؤلات أخلاقية وقانونية حول مبادئ العدالة الدولية ومدى مشروعية نقل الاختصاص القضائي خارج الحدود الوطنية للدول التي ينتمي إليها المتهمون.

من جانبه، أوضح باحثون سياسيون أن الملف السوري شهد تعقيدات إضافية بعد اتفاق العاشر من آذار 2025، حيث كان من المفترض أن يتم الإشراف على السجون بشكل مؤسساتي. إلا أن الانسحابات المفاجئة من بعض المواقع في سوريا خلقت فراغاً أمنياً كبيراً، مما اضطر العراق للتدخل العاجل لسحب المعتقلين وتأمينهم.

وأشار خبراء إلى أن الاستراتيجية الأصلية كانت تقضي بنقل السجناء عبر التحالف الدولي بالتنسيق مع وزارة الداخلية السورية لضمان تسلسل الإجراءات. لكن غياب التنسيق الدولي الكامل أدى إلى تحميل دمشق وبغداد أعباءً أمنية مفاجئة، خاصة مع وجود مواجهات عسكرية مستمرة في مناطق شرق سوريا.

إذا كانت بعض الدول الأوروبية تُشكّك في القضاء العراقي، فيُمكنها ببساطة سحب رعاياها الموجودين وإعادتهم إلى بلدانهم.

على الصعيد القانوني الدولي، تؤكد مصادر استشارية في الاتحاد الأوروبي أن منع الإفلات من العقاب هو المبدأ الحاكم في هذه القضايا. وتعتبر هذه المصادر أن اللجوء للمحاكم العراقية لا يعد فشلاً للمنظومة الأوروبية، بل هو ممارسة للاختصاص القضائي في مكان وقوع الجرائم أو احتجاز المتهمين.

وتشدد الأوساط القانونية على ضرورة توفر أدلة موثوقة وسجلات رقمية وتقنية تدعم لوائح الاتهام وفقاً لنظام روما الأساسي. وقد شهدت السنوات الأخيرة نقاشات واسعة حول آليات دعم القضاء العراقي لضمان توافق المحاكمات مع المعايير الدولية، خاصة في الجرائم ضد الإنسانية.

أمنياً، نُقل المعتقلون إلى سجن 'كروبر' المحصن، حيث فرضت السلطات العراقية ثلاثة أطواق أمنية مشددة حول المنشأة. وتشارك في عمليات التأمين قوات مكافحة الإرهاب والجيش والشرطة الاتحادية، مدعومة بمنظومة مراقبة متطورة تعتمد على الطائرات المسيرة على مدار الساعة.

وأكد مستشارون أمنيون في بغداد أن عدد المعتقلين الفعلي حالياً هو 5703 بعد وفاة أحد المعتقلين الذي كان يحمل الجنسية السعودية. وأوضحوا أن هؤلاء العناصر يمثلون عبئاً مالياً كبيراً، حيث تُصرف مبالغ ضخمة على تأمينهم وإعالتهم في ظل معارضة بعض أطراف التحالف الدولي لترتيبات النقل الحالية.

وتواجه بغداد ضغوطاً من 15 دولة أوروبية لديها رعايا ضمن المعتقلين، حيث ترفض هذه الدول استلامهم وتكتفي بمراقبة مسار المحاكمات. هذا الوضع يضع القضاء العراقي تحت المجهر الدولي، مطالباً بإثبات قدرته على إدارة ملف بهذه الحساسية والتعقيد القانوني.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق الآن هو صياغة تهم دقيقة ترتبط بالقرائن التقنية والسجلات الرقمية المتوفرة لدى التحالف الدولي. ويعد هذا الربط أساسياً لضمان عدم طعن المنظمات الحقوقية الدولية في نزاهة الأحكام التي ستصدر بحق عناصر التنظيم في المستقبل القريب.

ختاماً، يبقى ملف معتقلي 'تنظيم الدولة' قنبلة موقوتة تتطلب تعاوناً دولياً يتجاوز مجرد الدعم اللوجستي. فالعراق يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتطبيق العدالة، في حين لا تزال العديد من الدول تتهرب من مسؤولياتها تجاه مواطنيها الذين عاثوا فساداً في المنطقة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا