تجاوزت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مرحلة فرض السيادة التقليدية على مدينة القدس المحتلة، لتنتقل إلى خطوات سياسية وإدارية تهدف لتحقيق مشروع 'القدس الكبرى'. هذا المخطط يسعى لحسم الصراع الديمغرافي لصالح المستوطنين، من خلال ضم قرى كانت تدار إدارياً من قبل السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى امتداد جغرافي للسيادة الإسرائيلية.
أقرت الحكومة الإسرائيلية عبر المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) جملة من القرارات التي تستهدف تفكيك التقسيمات القانونية التي أرساها اتفاق أوسلو 2 عام 1995. وبموجب هذه التوجهات الجديدة، تسعى إسرائيل لإنهاء التمايز بين المناطق المصنفة 'أ' و'ب' و'ج'، مما يعيد التحكم الكامل للاحتلال في ملفات العقارات والأراضي في كافة أرجاء الضفة الغربية.
تتضمن القرارات الجديدة منح صلاحيات واسعة لهدم المنازل الفلسطينية في المناطق 'أ' و'ب'، وهي المناطق التي كانت تتمتع بنوع من الاستقلالية الإدارية أو الأمنية الفلسطينية. هذا الإجراء يضع آلاف المنشآت تحت مقصلة الهدم الإسرائيلي بذريعة عدم الترخيص، مساوياً إياها بالمناطق المصنفة 'ج' التي تخضع لسيطرة عسكرية مطلقة.
في خطوة قانونية لافتة، ألغى الاحتلال القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية، كما ألغى القيود المفروضة على البيع للأجانب. هذا التعديل يهدف إلى شرعنة تملك المستوطنين للأراضي الفلسطينية بنفس الآليات القانونية المتبعة داخل المدن المحتلة عام 1948، مما يسهل التوسع الاستيطاني السريع.
أفادت مصادر مختصة بأن رفع السرية عن سجلات الأراضي ونشرها علناً يعد من أخطر بنود القرارات الأخيرة، حيث يتيح للمستوطنين والجمعيات الاستيطانية الوصول المباشر لبيانات الملاك. الهدف من هذه الخطوة هو تسهيل الضغط على أصحاب الأراضي أو محاولة إتمام صفقات مشبوهة ومزورة للسيطرة على العقارات الإستراتيجية.
تتأثر محافظة القدس بشكل مباشر بهذه القرارات، خاصة القرى والبلدات الواقعة خارج جدار الفصل العنصري والتي تصنف ضمن النطاق 'J2'. هذه المناطق التي يقطنها نحو 180 ألف نسمة، تواجه خطر الشطب من أي تسوية سياسية مستقبلية عبر تحويلها إلى كانتونات معزولة تخضع للقانون الإسرائيلي بشكل متدرج.
تشير البيانات الرسمية إلى وجود 29 هيئة محلية فلسطينية في محافظة القدس، تشمل بلديات ومجالس قروية، باتت اليوم مهددة بفقدان صلاحياتها المدنية. إن تحويل هذه المناطق إلى امتداد للسيادة الإسرائيلية يعني عملياً إنهاء الوجود المؤسساتي الفلسطيني في محيط المدينة المقدسة وتطويقها بالكامل.
تبرز قرية النبي صموئيل كنموذج صارخ لما يخطط له الاحتلال، حيث تم عزلها تماماً وتحويل أراضيها إلى محمية طبيعية لمنع أي تمدد سكاني فلسطيني. هذا النموذج من العزل والتضييق مرشح للتكرار في قرى أخرى بمحيط القدس، مما يؤدي إلى خنق التجمعات الفلسطينية وتهجير سكانها بطرق غير مباشرة.
تكمن خطورة رفع السرية عن السجلات العقارية في كونها كانت محفوظة لدى الإدارة المدنية منذ عام 1967 دون إتاحتها للجمهور، لكن إعلانها الآن يفتح الباب أمام 'سوق عقاري' استيطاني. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة ستؤدي إلى موجة من التزوير والفتن الداخلية، تهدف في النهاية إلى زعزعة الملكية الفلسطينية للأرض.
أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن هذه الإجراءات تتطلب إستراتيجية مواجهة وطنية شاملة تشمل العصيان المدني وتعزيز المقاطعة الدولية لمنظومة الاحتلال. واعتبرت الهيئة أن ما يجري هو 'حرب قانونية' توازي في خطورتها العمليات العسكرية الميدانية التي تستهدف الوجود الفلسطيني.
وصفت محافظة القدس في بيان رسمي هذه القرارات بأنها الأكثر خطورة منذ نكسة عام 1967، نظراً لأنها تغير المكانة القانونية للأرض المحتلة بشكل جذري. وحذرت المحافظة من أن الصمت الدولي على هذه الخطوات سيؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية في القدس وتحويلها إلى مدينة يهودية بالكامل.
في نهاية المطاف، تسعى حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل من خلال هذه القرارات إلى فرض 'الضم الفعلي' للضفة الغربية دون إعلان رسمي يثير المجتمع الدولي. إن دمج أنظمة الأراضي وتوحيد قوانين البناء والهدم يهدف إلى خلق واقع جغرافي وقانوني واحد يمتد من البحر إلى النهر، ملغياً أي أفق لإقامة دولة فلسطينية.
المصدر:
القدس