تحليل إخباري
في وقتٍ يحاول فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة تثبيت نفسه كمهندسٍ لـ"مرحلة ما بعد الحرب" في غزة، خرج عقب اجتماع سياسي رفيع ليؤكد أن "تقدماً هائلاً" يتحقق في القطاع وفي المنطقة عموماً. غير أن هذا الخطاب المتفائل يتناقض مع مؤشرات متزايدة على تعثر تنفيذ التفاهمات التي ساعد ترمب في بلورتها، وتحديداً مسار وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول الماضي، ضمن إطار أوسع وصفته أوساطه بأنه "خطة من 20 نقطة" لإنهاء الحرب وإطلاق إعادة الإعمار.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن وقف إطلاق النار ما يزال قائماً شكلياً، لكن تطبيقه العملي يواجه فجوات عميقة تتعلق بأكثر الملفات حساسية: ترتيب انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل، ومستقبل إدارة القطاع، والأهم: قضية نزع سلاح حركة حماس. هذه النقطة تحديداً تحولت إلى عقدة سياسية وأمنية، إذ تصر إسرائيل على أن أي نهاية دائمة للحرب لا يمكن أن تتحقق ما لم تُجرّد حماس من قدراتها العسكرية، بينما ترفض الحركة ذلك في ظل غياب ضمانات بانسحاب كامل ورفع القيود المفروضة على غزة ومنع العودة إلى واقع الحصار أو إعادة الاحتلال.
وفي منشور له عقب اللقاء، كتب ترمب: "ناقشنا التقدم الهائل الذي يتم إحرازه في غزة، وفي المنطقة بشكل عام"، في صياغة تبدو مصممة لإظهار أن الملف يسير نحو تسوية، حتى لو كانت الوقائع على الأرض تشير إلى أن التسوية لم تتجاوز بعد مرحلة الاختبار السياسي. فالتجارب السابقة في القطاع أثبتت أن أي اتفاق لا يحسم معادلة القوة والضمانات في آنٍ واحد، يتحول سريعاً إلى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار.
ويبدو أن ترمب، في محاولة لتجاوز تعثر تنفيذ خطته، قرر الانتقال إلى صيغة أكثر مؤسساتية عبر ما أسماه "مجلس السلام" أو "مجلس السلم"، وهو كيان أعلن أنه سيعقد أول اجتماع له الأسبوع المقبل. وكانت الفكرة الأولى للمجلس، وفق ما رشح من تصريحات، أن يكون إطاراً لمتابعة الخطوات التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لكنه سرعان ما اتسع ليعكس طموحات ترمب في استخدامه منصة لمعالجة أزمات دولية أخرى، وليس فقط الملف الفلسطيني.
وبحسب الرواية المتداولة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقّع عملياً على الانضمام إلى هذا المجلس خلال لقائه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في إشارة إلى أن واشنطن تسعى لإضفاء صفة "إطار سياسي رسمي" على ما كان يُدار حتى الآن عبر قنوات تفاوض تقليدية، وبوساطة إقليمية. غير أن الغموض لا يزال يحيط بطبيعة المجلس: هل سيكون هيئة تنفيذية بقدرة على فرض التزامات؟ أم منصة سياسية تمنح ترمب مساحة أوسع للظهور كصانع سلام؟
المفارقة أن ترمب يتحدث عن "تقدم هائل" بينما جوهر الخلاف لم يتحرك: إسرائيل تريد إنهاء الحرب بشروطها الأمنية، وحماس تريد وقفاً دائماً بضمانات سياسية. في هذا النوع من النزاعات، لا يكفي وجود وقف إطلاق نار لتسميته "تقدماً"، لأن الوقف قد يكون مجرد استراحة تكتيكية. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتغير معادلة الردع والضمانات، لا عندما تُدار الأزمة بخطاب تفاؤلي يسبق الواقع.
وفي سياق موازٍ، حاول ترمب، عشية الاجتماع، إرسال رسالة واضحة بشأن الضفة الغربية، حين أكد لموقع "أكسيوس" أنه يعارض أي خطوة إسرائيلية لضم الضفة، قائلاً: "أنا ضد الضم". وأضاف: "لدينا ما يكفي من الأمور التي نفكر بها الآن... لا نحتاج للتعامل مع الضفة الغربية". هذا الموقف يأتي رغم تصاعد الدعوات داخل ائتلاف نتنياهو، ولا سيما من القوى اليمينية المتشددة، لدفع إسرائيل نحو ضم أجزاء واسعة من الضفة أو فرض سيادة رسمية عليها، مستغلين الانشغال الدولي بالحرب في غزة.
ومع أن ترمب سبق أن استبعد سيناريو الضم في مناسبات سابقة، فإن تجديده لهذا الموقف الآن يحمل دلالات سياسية إضافية. فضم الضفة، في تقدير دوائر أميركية، سيعني عملياً تفجير ما تبقى من "أفق سياسي" للصراع، وسيضع واشنطن أمام أزمة دولية أوسع، بما في ذلك داخل الحلف الغربي، فضلاً عن أنه قد يشعل مواجهة جديدة في الضفة نفسها ويقوض أي محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة.
ويقرأ مراقبون تصريحات ترمب بوصفها محاولة لإدارة تناقضين في آن واحد: دعم نتنياهو سياسياً، ومنع حكومته من اتخاذ خطوات لا يمكن تسويقها دولياً أو ضبط تداعياتها إقليمياً. فالضم ليس مجرد قرار إداري، بل هو فعل سياسي يحمل أبعاداً قانونية ودينية وأمنية، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من العنف والتوتر، ويعيد طرح سؤال الشرعية الدولية على نحو أكثر حدة.
لكن المشكلة الأساسية، وفق محللين، أن موقف ترمب من الضم لا يعني بالضرورة أنه يملك رؤية واضحة لمسار سياسي بديل في الضفة. فالإدارة الأميركية، سواء في عهد ترمب أو غيره، غالباً ما ترفض الضم العلني لكنها تتسامح مع الوقائع التي تنتجه عملياً، عبر التوسع الاستيطاني وتثبيت بنى السيطرة الإسرائيلية. وبذلك يصبح رفض الضم أقرب إلى محاولة منع "الانفجار السياسي" دون معالجة جذور الأزمة.
ويعتقد الخبراء أن رفض ترمب للضم مهم سياسياً، لكنه قد يكون رفضاً للشكل لا للمضمون. فإسرائيل تستطيع تحقيق نتائج الضم عبر أدوات أقل صخباً: توسيع المستوطنات، شرعنة البؤر، تعميق السيطرة الأمنية، وربط الاقتصاد الفلسطيني بمنظومة الاحتلال. هذه الخطوات تصنع "ضمّاً زاحفاً" دون إعلان رسمي. لذلك، الاختبار الحقيقي ليس في تصريح ضد الضم، بل في ما إذا كانت واشنطن ستضع كلفة فعلية على السياسات التي تؤدي إليه عملياً.
وبين غزة والضفة، يبدو أن ترمب يحاول رسم صورة مفادها أنه يمسك بخيوط الملف الفلسطيني من زاويتين: الأولى تقديم نفسه كصاحب "خطة سلام" قابلة للتطبيق في غزة، والثانية ضبط اليمين الإسرائيلي ومنع انزلاقه نحو الضم في الضفة. غير أن هذه المعادلة تواجه تحدياً أساسياً: الوقائع على الأرض لا تتغير بالتصريحات، بل بتفاهمات قابلة للتنفيذ وضمانات واضحة.
في غزة، ما يزال مصير الخطة مرتبطاً بتوازن حساس بين مطالب إسرائيل الأمنية، ومطالب حماس السياسية، ودور الوسطاء الإقليميين، وقدرة واشنطن على فرض صيغة لا تكتفي بإدارة الأزمة. وفي الضفة الغربية، لا تزال ديناميات الاستيطان والعنف وتآكل السلطة الفلسطينية تتحرك بوتيرة قد تجعل من أي نقاش سياسي لاحق مجرد محاولة للحاق بواقع تم تكريسه مسبقاً.
وعليه، فإن حديث ترمب عن "تقدم هائل" قد يكون جزءاً من إستراتيجية سياسية تهدف إلى تثبيت سردية نجاح مبكر، لكنه يظل، في نظر كثيرين، سابقاً لمرحلة الحسم الفعلي. فالنجاح في مثل هذه الملفات لا يقاس بقدرة الزعيم على إعلان التقدم، بل بقدرته على تحويل التقدم إلى ترتيبات مستقرة، وهو ما لم يتحقق بعد في غزة، ولا يبدو أنه قابل للتحقق وفق الخبراء.
المصدر:
القدس