خلف الأسوار العالية لثكنة عسكرية سابقة على أطراف العاصمة البلغارية صوفيا، يقبع مئات اللاجئين من سوريا وغزة ودول المغرب العربي في مركز احتجاز "بوسمانتسي". هذا المكان الذي بات يُعرف بـ "سجن المنسيين"، يمثل حجر الزاوية في إستراتيجية أوروبية جديدة تهدف إلى تحويل حياة طالبي اللجوء إلى جحيم لدفعهم نحو خيار العودة القسرية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذا المركز ليس سوى حلقة في سلسلة من المنشآت التي يمولها الاتحاد الأوروبي بمليارات الدولارات سراً. وتستخدم هذه المراكز كأداة ردع نفسية وجسدية، حيث يُجبر المحتجزون على الاختيار بين البقاء خلف القضبان لمدة تصل إلى عام ونصف، أو التوقيع على أوراق تدعي رغبتهم في العودة الطوعية إلى بلادهم التي تمزقها الحروب.
وتصف مصادر قانونية الوضع داخل المركز بأنه يشبه "نهاية العالم"، حيث تنعدم أدنى مقومات الكرامة الإنسانية. وتساءلت ديانا رادوسلافوفا، مؤسسة مركز للمساعدة القانونية، عن الجدوى القانونية لاحتجاز أشخاص لمدة 18 شهراً في ظل غياب اتفاقيات ترحيل مع دولهم الأصلية، معتبرة أن هذه الممارسة تندرج تحت بند الابتزاز الممنهج.
وكشف تحقيق استمر عشرة أشهر عن تحول بلغاريا، الدولة الأفقر في الاتحاد الأوروبي، إلى مختبر لتطبيق سياسات ميثاق الهجرة واللجوء الجديد لعام 2024. ويسعى الاتحاد من خلال هذا الميثاق إلى نقل عبء اللجوء إلى دول الحدود، مع توسيع نطاق الاحتجاز وتسريع عمليات الترحيل بعيداً عن أعين الرأي العام الدولي.
وتستفيد دول كبرى مثل ألمانيا من قوانين تلزم اللاجئين بتقديم طلباتهم في أول نقطة دخول للاتحاد الأوروبي، مما يشرعن إعادة الآلاف إلى بلغاريا قسراً. وفي هذا السياق، تخطط برلين لزيادة وتيرة ترحيل اللاجئين إلى صوفيا بمقدار خمسة أضعاف، رغم افتقار الأخيرة لبرامج اندماج حقيقية منذ أكثر من عقد.
المأساة الإنسانية بلغت ذروتها في أواخر عام 2024، حين عُثر على جثث ثلاثة فتيان مصريين تجمدوا حتى الموت في الغابات الجنوبية الوعرة أثناء محاولتهم النجاة. وتؤكد هذه الحوادث أن السلطات البلغارية لا تضع إنقاذ الأرواح على قائمة أولوياتها، بل تركز جهودها على تعزيز السياج الحدودي الشائك ومنع التدفقات البشرية.
داخل غرف الاحتجاز، يُحشر نحو 30 رجلاً في مساحات ضيقة تفتقر للمراحيض والمياه الجارية، حيث تُغلق الأبواب عليهم من المساء وحتى الصباح. وتنتشر في المكان روائح العفن والعرق، ويضطر المرضى للتعامل مع آلامهم بوسائل بدائية في ظل غياب الرعاية الطبية المتخصصة أو الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض الجلدية كالجرب.
وتحدث محتجزون عن مقابلات مبهمة قانونياً تُجرى معهم من قبل مسؤولين في وكالة "فرونتيكس" والشرطة البلغارية دون حضور محامين أو مترجمين. وفي هذه الجلسات، يُمارس ضغط نفسي هائل على المهاجرين للتوقيع على وثائق العودة، مستغلين حالة الانهيار التدريجي التي يمرون بها نتيجة العزلة الطويلة ومنع استخدام الهواتف.
التمييز في المعاملة يظهر بوضوح عند مقارنة وضع اللاجئين العرب والأفغان بنظرائهم من الأوكرانيين الذين استُقبلوا في فنادق فاخرة على ساحل البحر الأسود. وقد صرح مسؤولون بلغار سابقون علانية بأن الأوكرانيين "أوروبيون ومتعلمون"، في تلميح عنصري يصور اللاجئين من الشرق الأوسط كتهديدات أمنية محتملة أو أشخاص ذوي ماضٍ غامض.
وتتعدى المعاناة الظروف المعيشية لتصل إلى العنف الجسدي المباشر، حيث أفادت مصادر بأن الحراس يستغلون الزوايا التي لا تغطيها كاميرات المراقبة للاعتداء على المحتجزين. ورصدت شهادات حالات ضرب بقضبان حديدية ولكمات تعرض لها شبان من أفغانستان والعراق داخل غرف العزل الانفرادي بعيداً عن الرقابة الحقوقية.
الإهمال الطبي الممنهج أدى في حالات موثقة إلى الوفاة، كما حدث مع مسنة أرمينية فارقت الحياة بعد ساعات قليلة من وصولها للمركز بسبب سكتة قلبية. وكشفت مراجعات دولية عن تزوير في السجلات الطبية للمحتجزين، حيث تُسجل علامات حيوية متطابقة للجميع دون إجراء فحوصات حقيقية، مع تجاهل تام للشكاوى الصحية.
ويعاني المحتجزون من لدغات بق الفراش ونقص حاد في القيمة الغذائية للوجبات المقدمة، التي تقتصر غالباً على الخبز والبطاطس المسلوقة. ويقضي الرجال أيامهم في فراغ قاتل دون أي أنشطة تعليمية أو مهنية، مما يفاقم النزعات الانتحارية وحالات الاكتئاب الحاد التي تظهر بوضوح في بكاء المحتجزين أثناء نومهم.
قصص مثل قصة "هشام"، الخياط السوري الذي احتجز ثلاث مرات، تعكس ضياع الأحلام في دهاليز القوانين الأوروبية المعقدة. فهؤلاء الأشخاص الذين لم يرتكبوا أي جرم سوى البحث عن الأمان، يجدون أنفسهم مجرد أرقام في نظام يهدف إلى إرهاقهم نفسياً حتى يتنازلوا عن حقوقهم المشروعة في الحماية الدولية.
في الختام، يظل مركز "بوسمانتسي" رمزاً لسياسة العزل والإقصاء التي تنتهجها بروكسل بعيداً عن شعارات حقوق الإنسان المعلنة. إن استمرار تمويل هذه المراكز دون رقابة صارمة يضع الاتحاد الأوروبي في مواجهة مباشرة مع التزاماته الأخلاقية والقانونية تجاه الفارين من الموت والدمار في بلادهم.
المصدر:
القدس