كشفت شهادات حديثة لأسرى فلسطينيين محررين عن استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة سياسة التجويع الممنهجة داخل السجون، وذلك رغم مرور خمسة أشهر على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي أقر بنقص الغذاء وأمر بتحسين الأوضاع المعيشية للمعتقلين. ويخرج الأسرى من مراكز الاحتجاز وهم يعانون من هزال شديد وأمراض ناتجة عن سوء التغذية، مما يعكس تجاهلا كاملا للقرارات القضائية والالتزامات الإنسانية.
وروى الأسير المحرر سامر خويرة، وهو صحفي من مدينة نابلس، تفاصيل قاسية عن فترة اعتقاله التي استمرت تسعة أشهر دون تهمة واضحة. وأوضح خويرة أن الوجبات اليومية في سجني مجدو ونفحة لم تكن تتجاوز عشر قطع رقيقة من الخبز مع كميات ضئيلة جداً من الحمص والطحينة، بينما كانت التونة تُقدم مرتين فقط في الأسبوع، وهو ما أدى لتدهور حالته الصحية بشكل متسارع.
وأظهرت مقارنات لصور خويرة قبل الاعتقال وبعده فقدانه لنحو 22 كيلوغراماً من وزنه، حيث خرج بجسد نحيل للغاية لدرجة أن أفراد عائلته لم يتمكنوا من التعرف عليه بسهولة. كما عانى المحرر من قروح الجرب ومضاعفات جلدية ناتجة عن انعدام النظافة ونقص التغذية، وهي أعراض باتت مشتركة بين معظم المفرج عنهم في الآونة الأخيرة.
وأفادت مصادر حقوقية بأنها راجعت عشرات الشهادات لأسرى أُطلق سراحهم خلال الشهرين الماضيين، حيث أجمع 27 أسيراً على أن كميات الطعام لم تشهد أي تحسن منذ صدور أمر المحكمة العليا. واتهمت منظمات حقوقية الحكومة الإسرائيلية بالتستر على هذه السياسة التي تهدف إلى التنكيل بالأسرى وتحطيم معنوياتهم وأجسادهم بشكل متعمد.
وتشير المعطيات إلى أن الأوضاع تفاقمت بشكل حاد منذ تولي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مسؤولية السجون، حيث اتخذ إجراءات انتقامية شملت إغلاق المخابز التي كان الأسرى يستخدمونها لإعداد طعامهم. ووصف بن غفير المطالبات بتحسين الغذاء بأنها محاولات لتدليل من وصفهم بـ 'أعداء إسرائيل'، معتبراً الدعاوى القضائية في هذا الشأن نوعاً من الأوهام.
وفي سياق متصل، سجلت المؤسسات الحقوقية استشهاد قرابة 100 أسير فلسطيني داخل السجون منذ أكتوبر 2023، نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد. ومن بين الضحايا الفتى وليد أحمد الذي فارق الحياة في مارس 2025، بعد تدهور حالته الصحية وفقدانه الوعي نتيجة ضعف جهازه المناعي بسبب سوء التغذية الحاد الذي تعرض له خلال فترة احتجازه.
وأكدت محامية الشهيد الفتى أن تشريح الجثة كشف عن فقدان هائل في الكتلة العضلية والدهون، مما جعل جسده عاجزاً عن مقاومة أي عدوى بسيطة. وتؤكد هذه الحالات ما ذهب إليه مدير قسم المعتقلين في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، بأن الجوع المزمن حول الأسرى إلى فريسة سهلة للأمراض الفتاكة داخل الزنازين المكتظة.
وتستمر سلطات الاحتلال في منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة السجون والاطلاع على أحوال المعتقلين منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة. هذا التعتيم يساهم في تفاقم الانتهاكات بعيداً عن الرقابة الدولية، ويترك آلاف الأسرى في مواجهة مباشرة مع إجراءات بن غفير التنكيلية التي تفتقر لأدنى المعايير الدولية.
وبحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن إدارة سجون الاحتلال، فإن عدد الأسرى الفلسطينيين تجاوز حاجز عشرة آلاف معتقل حتى نهاية سبتمبر الماضي. وتضم هذه القائمة المأساوية 350 طفلاً و48 أسيرة، يعيشون جميعاً في ظروف قاسية تفتقر للحد الأدنى من المقومات الصحية والغذائية، وسط تصاعد التحذيرات من وقوع مزيد من الوفيات.
ولا تشمل هذه الأرقام مئات المعتقلين الذين يحتجزهم جيش الاحتلال في معسكرات سرية ومراكز تحقيق تابعة للجيش، ومن بينهم معتقلون من جنسيات عربية أخرى مثل لبنان وسوريا. وتظل هذه المعسكرات، مثل 'سدي تيمان'، بؤراً لانتهاكات جسيمة تتجاوز ما يحدث في السجون الرسمية، حيث تغيب عنها أي رقابة قانونية أو إنسانية.
إن استمرار سياسة التجويع رغم القرارات القضائية يضع المنظومة الدولية أمام اختبار حقيقي لملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم. ويطالب حقوقيون بضرورة تدخل دولي عاجل لفرض رقابة على السجون الإسرائيلية وضمان توفير الغذاء والعلاج للأسرى، محذرين من أن الصمت على هذه الممارسات يمنح الضوء الأخضر للاحتلال للاستمرار في تصفية الأسرى ببطء.
المصدر:
القدس