صدر حديثاً عن مكتبة كوزال للنشر والتوزيع في مدينة بورصة التركية، كتاب جديد للكاتبة الفلسطينية ناهد العفيفي بعنوان 'نحن الذين لم نمت بعد'. ويمثل هذا العمل شهادة أدبية حية عن تفاصيل الحياة التي جُردت من طمأنينتها في قطاع غزة، مسلطاً الضوء على الأرواح التي تحاول الصمود رغم الانكسار والخسارات المتلاحقة.
يتناول الكتاب في صفحاته حكايات واقعية ووجوهاً من غزة تحولت تفاصيل حياتها اليومية إلى وثائق إنسانية تؤرخ للمرحلة الراهنة. وتسعى العفيفي من خلال نصوصها إلى إيصال رسالة مفادها أن البقاء في ظل الحرب ليس دائماً نجاة بالمعنى التقليدي، بل هو شكل من أشكال المقاومة المستمرة ضد المحو والنسيان.
أوضحت الكاتبة ناهد العفيفي في تصريحات لمصادر إعلامية أن فكرة الكتاب ولدت من رحم تجربتها الشخصية عقب نزوحها الأخير من مدينة غزة إلى منطقة مواصي خان يونس. ووصفت العفيفي صدمتها الأولى عند العيش في الخيام، حيث كانت تقضي لياليها في مراقبة النازحين وتساؤلاتهم الوجودية حول القدرة على النوم والاستمرار.
بدأت العفيفي بتدوين تجاربها بأسلوب أدبي توثيقي، وبتشجيع من زملائها في الحقل التربوي، قررت جمع هذه النصوص لتكون شاهداً على ذاكرة الحرب. ويهدف الكتاب إلى نقل الواقع كما يعيشه أهله، بعيداً عن الأرقام الجافة، ليرى العالم التفاصيل الدقيقة التي تشكل يوميات الإنسان الفلسطيني المحاصر.
تحت عنوان 'نصيبنا من الحرب'، تكتب العفيفي عن أنياب الحرب التي لا تفرق بين القلوب، مشيرة إلى أن الجميع نال نصيبه من الوجع. وتؤكد النصوص أن من ظن نفسه ناجياً بالابتعاد عن القصف، لم ينجُ من مرارة الغربة وشعور الطريد الممزق بين وطن مفقود وواقع لا يحتضنه.
يضم الكتاب قصصاً اجتماعية مؤثرة استلهمتها الكاتبة من محيطها، حيث تؤكد أن كل قصة هي حكاية حقيقية لأشخاص يعرفهم الناس بالاسم والوجه. هذه القصص ليست من وحي الخيال، بل هي سيرة ذاتية وجماعية لأبطال يعيشون بين الركام ويواجهون مصيرهم بصمت وصبر.
من جانبه، وصف الناقد الأدبي يسري الغول الكتاب بأنه يمثل صوتاً أدبياً واعداً يمتلك قدرة فريدة على تحويل المعاناة إلى نصوص تنبض بالصدق. وأشار الغول إلى أن الكاتبة نجحت في توثيق التجربة الفلسطينية بلغة قوية ومتزنة تحاكي الواقع بعمق جمالي وإنساني لافت.
وأضاف الغول أن العفيفي كتبت لتقرع جدران الصمت وتوجه نداءً للعالم بأن الفلسطينيين ليسوا مجرد صور عابرة في نشرات الأخبار. واعتبر أن الكتاب يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه كائناً يحلم ويحب ويقاوم، ويصر على انتزاع حقه في الحياة رغم كل محاولات الإلغاء.
خصصت الكاتبة مساحة واسعة لمعاناة الأطفال، مصورة وجعهم بوصفه وجعاً وطنياً شاملاً يتجاوز الأفراد. وفي نصوصها المعنونة 'فقط في غزة'، تصف مشهد الآباء وهم يحملون أجساد أطفالهم الملفوفة بالأكفان بدلاً من الحقائب المدرسية، في مفارقة حزينة تختصر مأساة جيل كامل.
يرى الكاتب أكرم الصوراني أن 'نحن الذين لم نمت بعد' هو صرخة في وجه القهر والعجز الدولي تجاه ما يحدث في غزة. وأوضح الصوراني أن الكتاب يضم قصصاً من 'لحم ودم'، حيث تشتبك المؤلفة مع مقولات أدبية شهيرة لتعيد صياغتها بما يتناسب مع قسوة الواقع الذي لا يخضع لقواعد المنطق.
أشار الصوراني إلى نجاح العفيفي في جعل نصها خطاباً يعبر عن صوت الشعب، محولة الرماد والركام إلى نصوص باقية للأجيال القادمة. واعتبر أن هذا النوع من الأدب في وقت الحرب يعد أداة أساسية للنجاة ومحاولة لاستعادة الهوية المفقودة تحت أنقاض المنازل المدمرة.
بدوره، اعتبر الأديب شجاع الصفدي أن الكاتبة نسجت خيوط حكاياتها بطريقة إبداعية ترصد الذكريات وتتمسك بالأمل رغم كل شيء. وقال الصفدي إن كل حكاية في الكتاب تفند الوعود الزائفة بمستقبل أفضل، وتجذب القارئ نحو الحقيقة المرة التي يعيشها سكان القطاع.
أكد الصفدي أن الكتاب يخلق مقاربة لمن هم خارج غزة ليتصوروا حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالمدينة وسكانها. واعتبر العمل بمثابة 'شاهد عصر' على الحكاية الفلسطينية، حيث تخوض الكاتبة صراعاً مع الأمكنة والذاكرة لترك إرث من الحقيقة في عالم يغض الطرف عن المأساة.
يختتم الكتاب برؤية فلسفية حول الكتابة كفعل مقاومة، حيث يصبح القلم هو الملاذ الأخير لتوثيق الوجود الإنساني. وتظل نصوص ناهد العفيفي صرخة ممتدة من قلب الخيام، تذكر العالم بأن خلف كل رقم في الإحصائيات حكاية إنسان كان يحب الحياة وما زال يحاول العثور على معناها وسط الدمار.
المصدر:
القدس