أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن تتراجع عن حقها في تخصيب اليورانيوم، معتبراً أن هذا الملف يتجاوز الأبعاد التقنية والاقتصادية ليمس سيادة الدولة الإيرانية بشكل مباشر. وجاءت تصريحات عراقجي عقب عودته من جولة مفاوضات في مسقط وصفها بالإيجابية، مشدداً على أن طهران تفضل لغة الدبلوماسية لكنها مستعدة لمسار الحرب إذا فُرض عليها.
وفي كلمة ألقاها خلال المؤتمر الوطني الأول للسياسة الخارجية في طهران، أوضح عراقجي أن إيران قدمت مقترحات جديدة تهدف لبناء الثقة ببرنامجها النووي السلمي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وأشار إلى أن التوازن بين الدبلوماسية والقوة العسكرية هو ما يحكم التوجه الإيراني في المرحلة الراهنة لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.
على الجانب الآخر، تترقب الأوساط السياسية زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن منتصف الأسبوع الجاري للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويتصدر الملف الإيراني جدول أعمال هذه الزيارة، حيث تسعى تل أبيب للتأثير على موقف الإدارة الأمريكية الجديدة لتبني شروط أكثر صرامة تجاه طهران.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن قائمة مطالب نتنياهو التي سيطرحها على ترامب تتضمن إلغاءً كاملاً للمشروع النووي الإيراني ووقفاً شاملاً لعمليات تخصيب اليورانيوم. كما تطالب إسرائيل بإخراج كافة كميات اليورانيوم المخصب خارج الأراضي الإيرانية وضمان عودة غير مشروطة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولا تقتصر المطالب الإسرائيلية على الجانب النووي، بل تمتد لتشمل البرنامج الصاروخي الإيراني الذي تعتبره تل أبيب تهديداً وجودياً. وتدفع إسرائيل باتجاه فرض قيود تمنع تجاوز مدى الصواريخ الإيرانية حاجز 300 كيلومتر، لضمان عدم قدرتها على الوصول إلى العمق الإسرائيلي أو تهديد المصالح الإقليمية.
وحذر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر من خطورة الترسانة الصاروخية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران تسعى لتوسيع مدى صواريخها لتصل إلى القارة الأوروبية. واعتبر ساعر أن هذا التطور يخرج الأزمة من إطارها الإقليمي في الشرق الأوسط ليصبح تهديداً أمنياً عالمياً يستوجب تحركاً دولياً حازماً.
من جهته، أوضح فؤاد إيزدي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران أن معاهدة منع الانتشار النووي تكفل للدول الأعضاء حق التخصيب للأغراض السلمية. وأضاف في تصريحات صحفية أن إيران التزمت بنسبة تخصيب لا تتجاوز 3.5%، وهي نسبة بعيدة تماماً عن المستويات المطلوبة لإنتاج سلاح نووي والتي تتخطى 90%.
وانتقد إيزدي انسحاب الإدارة الأمريكية في عهد ترامب من الاتفاق النووي السابق، معتبراً أن واشنطن هي من قوضت مسار بناء الثقة. وأكد أن القرار الآن بيد الولايات المتحدة لقبول العروض الإيرانية الحالية أو رفضها، مشدداً على أن أي اعتداء عسكري على إيران سيواجه برد قاسٍ وغير مسبوق.
وفي سياق متصل، أشار الدبلوماسي الأمريكي السابق ريتشارد شمايرر إلى أن إدارة ترامب تتبنى موقفاً مبدئياً يرفض قبول أي مستوى من تخصيب اليورانيوم داخل إيران. وأوضح أن عدم الثقة في التزام طهران بالحدود المفروضة كان الدافع الرئيسي وراء السعي للوصول إلى اتفاق 'أصلب وأقوى' يضمن الرقابة الكاملة.
ويرى مراقبون أن الضغوط الإسرائيلية تهدف إلى دفع واشنطن نحو تبني خيار الضربة العسكرية أو انتزاع تنازلات إيرانية كبرى. واعتبر الخبير في الشأن الإسرائيلي جاكي خوري أن حسابات نتنياهو تتداخل فيها المصالح الأمنية الإستراتيجية مع الطموحات السياسية والانتخابية الداخلية بشكل معقد.
وأوضح خوري أن نتنياهو يسعى لتقديم نفسه للجمهور الإسرائيلي كزعيم قادر على إخضاع إيران وفرض الإملاءات عليها، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات المحتملة في سبتمبر المقبل. ويعد هذا الملف بمثابة طوق نجاة لنتنياهو للتغطية على الإخفاقات المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر وقضايا الفساد التي تلاحقه.
وتعمل إسرائيل ميدانياً على ما تصفه بتقليص 'السجادة الإيرانية' في المنطقة، عبر استهداف نفوذ طهران في لبنان وغزة. وتهدف هذه التحركات إلى إضعاف الفصائل المتحالفة مع إيران، مثل حزب الله وحماس، كجزء من إستراتيجية شاملة تهدف في نهاية المطاف إلى تقويض النظام الإيراني أو إجباره على الانكفاء داخلياً.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى استجابة الرئيس ترامب للمطالب الإسرائيلية المتطرفة، في ظل رغبته المعلنة في تجنب الحروب الكبرى في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التناغم الكيميائي بين ترامب ونتنياهو قد يفتح الباب أمام سياسات 'الضغط الأقصى' التي قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع أو الوصول لاتفاق بشروط واشنطن.
ختاماً، تترقب العواصم الدولية نتائج قمة واشنطن المرتقبة، حيث ستحدد مخرجاتها مسار المواجهة مع إيران في السنوات الأربع المقبلة. وبينما تتمسك طهران بأوراق قوتها النووية والصاروخية، تراهن تل أبيب على الدعم الأمريكي المطلق لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة بشكل جذري.
المصدر:
القدس