الحدث - سجود عاصي
لا يُعدّ إشهار أسعار السلع مسألة تنظيمية عابرة، بل حقًّا أساسيًا للمستهلك وأداةً لكبح الفوضى في الأسواق، خاصة في ظل الأزمات وارتفاع كلفة المعيشة، وبينما ينصّ القانون بوضوح على إلزام التجار بإعلان الأسعار بشفافية، يبقى السؤال معلّقًا حول جدية إنفاذ هذه النصوص على أرض الواقع، والفجوة القائمة بين التشريع والتطبيق في سوق يثقل كاهل المواطن يومًا بعد يوم منافذ التجزئة الخضرية. كما تعد عملية إشهار أسعار السلع الركيزة الأساسية لضمان شفافية المعاملات التجارية وحماية حقوق المستهلك من التضليل أو الاستغلال والاستغفال.
ورغم وجود نص قانوني واضح بضرورة إشهار أسعار السلع والخدمات، إلا أن كثيرا من المحال التجارية لا تزال بطاقة الأسعار على السلع التي تبيعها غائبة، أو أحيانا تمتنع عن الإشهار، ما يفتح الباب واسعًا أمام التسعير المزاجي واستغلال المستهلك، وهو ما يحوّل عملية الشراء اليومية إلى شكل من أشكال الابتزاز الصامت، خاصة مع اختلاف الأسعار من تاجر لآخر ومن وقت لآخر، دون مبرر معلن أو التزام بالقانون.
وأزمة إشهار الأسعار وارتفاعها في السوق الفلسطيني ليست ناتجة عن عوامل موسمية أو اقتصادية فقط، بل تعكس خللًا بنيويًا عميقًا في منظومة الرقابة وإنفاذ القانون؛ فرغم وجود قانون لحماية المستهلك، إلا أن غياب المساءلة وضعف الدور الرقابي واحتكار بعض السلع، خاصة المستوردة، جعل المستهلك الفلسطيني عرضة للاستغلال من أكثر من طرف، في سوق تُدار فعليًا كأنها سوق حرة بلا ضوابط، ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتفعيل مؤسسات حماية المستهلك، وإشراك المجتمع والهيئات الرسمية في ضبط الأسعار وحماية حق المواطن.
يرى الخبير الاقتصادي حسن أبو لبدة في لقاء خاص مع "صحيفة الحدث"، أن المستهلك الفلسطيني دائما ما يتعرض للابتزاز من أكثر من جهة، خاصة عندما تكون السلعة (أي سلعة) سعرها النهائي عبارة عن مجموعة أسعار سواء كانت مستوردة أو إسرائيلية المصدر أو كانت محلية، لهذا السبب بين كل فترة وأخرى، تختلف الأسعار، ففي الشتاء مثلا بسبب المنخفضات، ترتفع أسعار الخضار والفواكه بشكل أوتوماتيكي لسبب بسيط وهو أنه في ظل الظروف الجوية لا توجد إمكانية تزويد مستمرة ومنتظمة.
ويضيف أبو لبدة، أن التاجر الإسرائيلي يرفع السعر من ناحية، والمستورد يرفع السعر أيضا من ناحية أخرى، خاصة إذا كانت السلع محتكرة، وهذا يشمل الفواكه المستوردة للسوق الفلسطينية، التي يتحكم المستورد بسعرها. مشيرا إلى أن الأسعار تكون منخفضة فقط في حالتين إذا كان هناك توريد للسوق الفلسطيني بكميات كبيرة في حال كانت في موسمها أو إذا كانت محلية فلسطينية لأن الفلسطينيين قدرتهم على التصدير متدنية.
ووفق أبو لبدة، فإنه "للأسف الشديد، لا توجد هناك محاولة أو قدرة للسلطة الفلسطينية على التأثير في الأسعار إلا من ناحية واحدة، وهي تطبيق قانون حماية المستهلك"، ويرى أنه إذا قررت السلطة الفلسطينية تطبيق قانون حماية المستهلك فإن هناك ما يسمى السعر العادل، ولكن لا توجد هناك جهة رقابية حقيقية قادرة على فرض ذلك وتفعيل القانون الذي أنشئ لحماية المستهلك، إضافة إلى القدرات الحكومية التي تلعب دورا مهما نظرا لطبيعة الدوام غير الكامل بسبب الأوضاع الاقتصادية.
ويؤكد أبو لبدة، أن "القانون موجود وجيد وقوي ويحمي المستهلك بشكل كبير" ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في إنفاذ القانون، الذي جزء من أسبابه غياب الرقابة بشكل عام وغياب المساءلة، فاليوم لا نرى محاسبة أو مساءلة لبعض الموردين إذا غالى في الأسعار، لذلك وكأنها سوق حرة كل تاجر يعرض بضاعته بما يشمل الأسعار بحرّية، دون تدخل مباشر أو قيود من الحكومة.
ويذكر، أنه "كانت هناك محاولات لتنفيذ القانون، وقبل سنوات كانت هناك محاولة لعمل منظومة كاملة لحماية المستهلك وللأسف هذه المنظومة لم تر النور لأسباب مختلفة".
وعن دور البلديات في قضية إشهار الأسعار، قال أبو لبدة، إن البلديات هي جهة خدماتية وأقصى ما يمكن عمله هو التأكد من أن الجهة التي تعرض السلعة أو الخدمة هي مرخصة لديها، مؤكدا أن الحل جزء منه شعبوي بالإضافة إلى إعادة النظر في جمعيات حماية المستهلك وتفعيل المجلس الوطني لحماية المستهلك وتفعيل قانون حماية المستهلك.
وفي عام 2010، صدر قرار وزاري رقم 1 بشأن إشهار الأسعار على السلع والخدمات في السوق الفلسطيني؛ نص على "إلزام التجار والمسوقين ومقدمي الخدمات على اختلاف أنشطتهم التجارية بإشهار الأسعار على جميع السلع والخدمات بالعملة المتداولة على وحدة البيع المعروضة للمستهلك بشكل مباشر عليها، وإذا تعذر ذلك توضع بشكل بارز في مكان عرضها".
كما نص القرار الذي جاء بالاستناد إلى المادة (17) من قانون حماية المستهلك رقم (21) لعام 2005، أنه "على التجار والمسوقين ومقدمي الخدمات على اختلاف أنشطتهم التجارية تصويب تصويب أوضاعهم" خلال فترة محددة، والإيعاز لجميع الجهات المختصة تنفيذ هذا القرار كل فيما يخصه.
وتنص المادة 17 من قانون حماية المستهلك، على أنه "يجب إعلان السعر بالعملة المتداولة على وحدة البيع المعروضة للمستهلك بشكل مباشر عليها وإذا تعذر ذلك توضع بشكل بارز في مكان عرضها". وتنص المادة (22)، على أنه يحظر بيع سلعة أو تقديم خدمة بسعر أو بربح يزيد عن السعر المعلن عنه.
ويهدف قانون حماية المستهلك وهو نفسه الذي نص على إنشاء المجلس الفلسطيني لحماية المستهلك، إلى حماية وضمان حقوق المستهلك بما يكفل له عدم التعرض لأية مخاطر صحية أو غبن أو خسائر اقتصادية، وتوفير السلع والخدمات ومنع الاستغلال والتلاعب في الأسعار، وحماية حقوق المستهلك في الحصول على سلع وخدمات تتفق مع التعليمات الفنية الإلزامية، وتأمين شفافية المعاملات الاقتصادية التي يكون المستهلك طرفاً فيها، وكذلك ضمان المعاملات الاقتصادية على وجه السرعة والدقة بين المزود والمستهلك وما يكفله القانون من حماية.
من جانبه، يقول رئيس دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، إبراهيم القاضي، إنه خلال عام 2025، تم التعامل مع نحو 26 شكوى ومخالفة إشهار أسعار، بينها واحدة للخضار والفواكه. وأوضح: وصلتنا شكوى واحدة لم يشهر فيها التاجر أسعار الخضار والفواكه وتم التعامل معها، وفيما يتعلق بالسلع الأخرى في الغالب تصلنا شكاوى عامة كأن تاجرا معينا لم يشهر أسعار السلع إضافة إلى شكاوى عن الاختلاف في الأسعار بين السعر المعلن من قبل الهيئة العامة الفلسطينية للبترول في وزارة المالية والسعر لدى البائعين حيث تم تحويل أحد البائعين إلى النيابة العامة".
وأضاف القاضي في حديث خاص لـ "صحيفة الحدث"، أن إشهار الأسعار ملزم لأن قانون حماية المستهلك نص عليها بوضوح، بإلزامية إشهار الأسعار وفي حال لم يتم إشهار أسعار أي سلعة، يتم تحرير مخالفة وإحالة التاجر إلى نيابة الجرائم الاقتصادية للبت في القضية ومن ثم رفعها للقضاء.
وأشار القاضي إلى أن الجهة الرقابية المسؤولة عن هذه القضية، هي الإدارة العامة لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني، "وهي الجهة الرقابية المسؤولة عن الرقابة على إشهار الأسعار على كافة السلع".
ووفق رئيس دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، فإنه "لغاية الآن لا أستطيع القول إن هناك مشكلة في القانون أو في آليات التنفيذ لأن لدينا عملا مستمرا في ضبط عمليات إشهار الأسعار"، مقرا بالتركيز على سلع أكثر من غيرها مثل السوبركاركت ومحلات الملابس والأحذية بالإضافة إلى محلات الخضار التي لديها مشاكل حيث يتم إخطارها عدة مرات وحتى السلع الإنشائية هناك تركيز عليها مثل معدات البناء وغيرها.
ويوضح، أن بعض السلع لا تباع بالوحدة وإنما بالطن مثل الأسمنت، على خلاف السلع العادية التي يجب أن يكون عليها السعر، وإذا كانت هناك محلات لم تصلنا عليها شكاوى فهذه مشكلة، لكن أكد أن كل الشكاوى التي تصل الوزارة يتم التعامل معها وتتبعها، وبما يتعلق بمحلات الخضار فيتم تسيير جولات مركزية على مستوى الوطن للالتزام.
أما ما يتعلق بموضوع التعاون من أجل جعل مسألة إشهار الأسعار كشرط للحصول على الرخص المطلوبة؛ أوضح القاضي: نحن لا نجدد الرخص لنعد مخالفات، وهذه التراخيص تتم من خلال البلديات والهيئات المحلية وليس من خلال وزارة الاقتصاد.
ولا تكتمل هذه الحلقة في السوق الفلسطيني عند حدود ضعف الرقابة أو جشع التجار، بل تمتد لتصل إلى "سلبية المستهلك" نفسه أحيانا؛ حيث يسود في الشارع الفلسطيني نوع من التلكؤ الجمعي عن ممارسة حق الشكوى، فكثير من المواطنين يختارون التغاضي عن غياب إشهار الأسعار حتى لو كانت هناك زيادات غير مبررة، أحياناً بدافع فقدان الأمل من إحداث تغيير حقيقي، وهذا الاستسلام الصامت يحوّل المستهلك من ضحية إلى شريك غير مباشر في شرعنة الفوضى، مما يجعل معركة ضبط الأسواق معركة خاسرة ما لم تكن "ثقافة الشكوى" هي خط الدفاع الأول إلى جانب ضرورة الرقابة الحكومية المباشرة والمكثفة لضبط المخالفين.
ويظهر بوضوح أن الفجوة لا تكمن في النص القانوني بقدر ما تتموضع في آليات تطبيقه وحدود فعاليته على أرض الواقع؛ إذ نرى كثيرا من المحال التي يدخلها الفلسطينيون يوميا خالية من إشهار الأسعار، يضطر فيها المستهلك إلى القبول بالسعر"غير المعلن". فبين تأكيد حسن أبو لبدة على ضعف الرقابة وغياب المساءلة، وتشديد وزارة الاقتصاد على وجود إجراءات وضبط ومتابعة للشكاوى، يبقى المستهلك عالقًا، ما يعكس الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولًا وتكاملًا تترجم القانون إلى ممارسة يومية ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل تسوقه اليومية.
المصدر:
الحدث