الخرطوم- مع تصاعد التحركات السياسية في السودان وخارجه لعقد مؤتمر حوار سوداني لحل الأزمة في البلاد، تتوسع الشقة بين تيارات حزب الأمة القومي المتنازعة بشأن الشرعية والمشاركة في العملية السياسية.
بدأت بوادر الخلاف حول قيادة أكبر الأحزاب السودانية عقب رحيل زعيمه التاريخي الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء منتخب في العهد الديمقراطي. وبعد وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، كُلّف فضل الله برمة ناصر برئاسة الحزب، إلا أن ترتيبات الخلافة أبقت بذور الصراع داخل مؤسسات الحزب ثم تفجرت لاحقا.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش و قوات الدعم السريع في منتصف أبريل/نيسان 2023، اتسعت هوة الخلاف داخل الحزب، على خلفية تباين المواقف من الحرب والمسار السياسي، إلى أن وصل الأمر إلى نزاع على الشرعية فيما يشبه الانشقاق.
وتتصارع في الحزب 3 تيارات رئيسية:
وخلال فعالية في الذكرى الخامسة لرحيل الصادق المهدي، كانت قيادات من الحزب قد أقرت أن تنظيمها يمر بمرحلة حرجة نتيجة الانقسامات وسوء إدارة الخلافات، مما أضعف مؤسساته ودوره السياسي. ودعت إلى إعادة بناء الحزب من الداخل، وتوحيد تياراته، وتفعيل آليات المصالحة الداخلية، وتطبيق أدوات الضبط والمساءلة، وإقرار ميثاق سياسي وأخلاقي يجرم التخوين والإقصاء.
ويوضح وزير الإعلام والقيادي السابق في حزب الأمة حسن إسماعيل أن تيارات الحزب وصلت إلى خمسة، ببروز تيار جديد تقوده وزيرة الخارجية السابقة ونائبة رئيس الحزب مريم الصادق المهدي التي قادت مجموعة من الحزب وشاركت في لقاءات تشاورية للآلية الخماسية المعنية بالأزمة السودانية في أديس أبابا مؤخرا رغم مقاطعة التيار المشاركة في تحالف "صمود".
وحسب حديث إسماعيل للجزيرة نت، فإن هناك مجموعة أخرى في الحزب أبرز أعضائها رئيس المكتب السياسي للحزب محمد المهدي حسن والأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبد المحمود أبو، وهي أقرب لتيار برمة ناصر لكنها لا تفصح عن ذلك صراحة.
ويعتقد إسماعيل أن دعوات الحوار يمكن أن تحدث فرزا جديدا داخل الحزب بمشاركة تيار أو قيادات في الحوار الذي تجري الترتيبات لعقده داخل البلاد، ولم يستبعد أن تلتحق قيادات من أعضاء الحزب في تحالف "صمود" بالعملية مما يزيد من التعقيدات التي تواجه الحزب أو انقسامه بصورة رسمية.
ووفقا لمراقبين فإن أزمات الأحزاب التاريخية الكبيرة تجعل الشرعية المطلقة، غائبة ومثيرة للجدل، ولا يوجد حاليا أي تيار منفرد يمتلك شرعية كاملة تمكنه من الحديث باسم الحزب بمفرده في دعوات الحوار الوطنية.
من جانبه يقر عضو الهيئة المركزية والمكتب السياسي لحزب الأمة القومي عادل المفتي بأن صراع التيارات في حزبه حول الشرعية يؤثر بصورة مباشرة في فاعلية الحزب ومشاركته السياسية.
ووفقا لتصريح المفتي للجزيرة نت، فإن أصل المشكلة يعود إلى الخط السياسي للحزب منذ الفترة الانتقالية، بسبب انفراد بعض المتنفذين بقرارات ومواقف لم تُناقش أو تُقر من مؤسسات الحزب المختصة، واستمر ذلك حتى انضمام برمة ناصر إلى تحالف "تأسيس" والأمين العام إلى تحالف "صمود" على الرغم من أن غالبية قاعدة الحزب لها رأي مختلف.
ويرى المفتي أن معالجة الأزمة في الحزب ليست بتكريس الأمر الواقع أو بإقصاء أي طرف، وإنما بالعودة إلى مؤسسات الحزب ومرجعياته، والاحتكام إلى قرارات جماعية واضحة، وفتح حوار داخلي جاد يعيد توحيد الحزب على موقف وطني مستقل، بما يمكنه من أداء دوره التاريخي والمشاركة بفاعلية في أي حوار وطني لحل أزمة البلاد.
ويتفق محللون وباحثون على أن الحرب لم تخلق أزمة حزب الأمة من فراغ، ولكنها عمّقت الفجوة وجعلت من الصعب التعايش بين تيارات تتنازع على الشرعية وتتقاطع في مواقفها إزاء الأوضاع في البلاد.
ويقول الباحث السياسي محمد أمين عبد القادر إن أزمة الحرب وراءها الصراع التنظيمي في الحزب والاستقطاب ونزاع النفوذ، وفراغ القيادة وغياب الكاريزما برحيل الصادق المهدي الذي أمضى 56 عاما في رئاسة الحزب، وعدم عقد مؤتمر عام لانتخاب قيادة جديدة ومؤسسات شرعية نظرا للأوضاع التي تعيشها البلاد.
وعن السيناريوهات المحتملة في ظل الأوضاع الحالية في الحزب والتطورات السياسية في البلاد يرى الباحث، في حديث للجزيرة نت، أن أرجحها:
وللصراعات في حزب الأمة تاريخيا أبعاد سياسية ودينية وأسرية، برزت أول مرة في ستينيات القرن الماضي، بين الصادق المهدي الطامح آنذاك إلى رئاسة الحزب، وعمه راعي الحزب الهادي المهدي. وأدى ذلك الصراع لانقسام إلى جناحين، أحدهما بقيادة الصادق، والآخر بقيادة الهادي.
لكن الحزب اتحد لاحقا تحت قيادة الصادق، بعد مقتل الإمام الهادي بأيدي سلطة الرئيس الراحل جعفر النميري عام 1969، فجمع الصادق بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة الأنصار الدينية التي يستند إليها الحزب، بعد أن كان المنصبان منفصلين، وهو ما عُرف بالجمع بين "القداسة والسياسة".
وفي عهد الرئيس السابق عمر البشير حدث انقسام قاده مبارك الفاضل المهدي مكونا تنظيما باسم حزب الأمة -الإصلاح والتجديد بعد قرار من المجموعة المشاركة في السلطة.
وتزايدت الانقسامات بعد خروج مبارك الفاضل من السلطة، فتمسكت قيادات حزبه بالاستمرار في الحكم ونتجت عن ذلك تيارات حزب الأمة الوطني، وحزب الأمة الفدرالي، وحزب الأمة القيادة الجماعية، وحزب الأمة للإصلاح والتنمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة