لا يزال معبر أرقين الحدودي بين السودان ومصر يشهد ازدحاما ومعاناة، آلاف العائلات السودانية العائدة من مصر في طوابير طويلة، تحمل معها شوق العودة وقلق الطريق.
وبين ارتفاع أسعار التذاكر وتزايد الرسوم وغياب الرقابة، تتضاعف معاناة المسافرين، لتغدو رحلة العودة إلى الوطن اختبارًا قاسيًا يختصر حجم الأعباء التي تثقل حياة الناس، حتى في أكثر اللحظات التي ينتظرون فيها الفرح.
وتداول عالقون مقاطع وشهادات توثق أوضاعا إنسانية صعبة عند معبر أرقين الحدودي، حيث أظهرت بقاء عدد من الأسر لأيام في العراء، وسط درجات حرارة مرتفعة ونقص حاد في المياه والغذاء والخدمات الأساسية.
كما برزت مشاهد لتكدس الحقائب والعائلات في محيط المعبر، في انتظار وسائل نقل تقلهم إلى وجهاتهم، في ظل ظروف ازدحام خانقة تزيد من معاناة العابرين وتعمّق حالة الإرهاق التي يعيشها المسافرون منذ لحظة وصولهم إلى المنطقة الحدودية.
غضب واسع ومطالبات بتدخل عاجل
وأثارت هذه المشاهد موجة غضب واسعة في أوساط السودانيين، الذين عبّروا عن استيائهم من الظروف الإنسانية القاسية التي يواجهها العالقون عند معبر أرقين، وسط مطالبات بتدخل عاجل لتحسين الخدمات وتخفيف معاناة المسافرين، وضمان تنظيم أكثر فاعلية لحركة العبور، خصوصا خلال مواسم الذروة.
وقال ناشطون إن السلطات تقف في "سبات عميق"، بينما تفترش أسر سودانية الأرض وتلتحف السماء لعدة أيام في انتظار وسائل نقل تقلّها إلى الداخل، في ظل غياب الحافلات وارتفاع الجبايات والرسوم على الطريق، إضافة إلى زيادة أسعار الوقود، ما أدى إلى تفاقم الأزمة.
وحذّروا من أن استمرار هذا الوضع، خاصة مع تسجيل وفيات بين العالقين، قد يقود إلى كارثة إنسانية إذا لم يتم التدخل العاجل.
وأشار آخرون إلى أن ثلاثة لاجئين سودانيين لقوا حتفهم في محيط المعبر، بينما تُرك عشرات الآلاف في العراء تحت شمس الصحراء، بعد وعود بالعودة الطوعية وتوفير وسائل نقل ميسّرة، قبل أن يواجهوا واقعا مختلفا عنوانه التكدس والعطش والهجير، في مشهد وصفوه بأنه "ليس عودة إلى الوطن بل خذلان قاس".
وفي السياق ذاته، كتب ناشطون أن ما يجري في أرقين تحوّل إلى مساحة للاستغلال، حيث تجد أسر كاملة نفسها محاصرة بين الحاجة والانتظار، في ظل اتهامات لتجار الأزمات بالاستفادة من الفوضى وغياب التنظيم، ما يعمّق معاناة العابرين.
شهادات وانتقادات واسعة لإدارة المعبر
كما وصف مدونون المشهد بأنه يعكس "زلة وإهانة ومعاناة لا يمكن استيعابها"، مشيرين إلى أن ما يحدث يكشف مستوى مؤلما من الفوضى وغياب المسؤولية في إدارة ملف العبور والنقل.
وأضاف مدونون أن استمرار هذا المشهد بهذا الشكل يعكس أزمة أعمق تتجاوز الظروف الآنية، لتطرح أسئلة جدية حول منظومة إدارة المعابر وغياب التخطيط المسبق لمواسم الذروة، محذرين من أن ترك الأوضاع على حالها سيؤدي إلى مزيد من التكدس والمعاناة، ويحوّل نقاط العبور إلى بؤر ضغط إنساني متكرر بدل أن تكون ممرات منظمة وآمنة.
وتساءل آخرون عن طبيعة "العودة" التي تبدأ بالإهانة، وعن دور الجهات الرسمية في تنظيم استقبال المواطنين بعد سنوات من النزوح والتشرد، معتبرين أن الأزمة لا تعكس مجرد خلل لوجستي، بل أزمة إدارة ورقابة.
ودعا مدونون الجهات المعنية بضرورة تعزيز الرقابة على حركة النقل وتنظيم أسعار التذاكر، إلى جانب توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية داخل محيط المعبر، بما في ذلك المياه والمرافق الصحية ونقاط الإيواء المؤقت، تفاديًا لتكرار مثل هذه المشاهد التي تعكس حجم الفجوة بين الطلب المتزايد والإمكانات المتاحة خلال فترات الذروة.
بدء انفراج أزمة العالقين في أرقين
وأكد مدير معبر أرقين الحدودي، العميد مبارك داوود، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، متوقعًا انتهاء الأزمة بحلول مساء اليوم الاثنين.
وأوضح أن حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت، قبل أن يشهد المعبر تكدسا متسارعا وصل إلى نحو خمسة آلاف عالق.
وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين، نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة التي أقرتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعرًا.
وبيّن أن سعر تذكرة خط أرقين بلغ نحو 196 ألف جنيه (نحو 78 دولارا)، مقابل 260 ألف جنيه (نحو 104 دولارات) لخط وادي حلفا – الخرطوم، و240 ألف جنيه (نحو 96 دولارا) لخط دلقو – الخرطوم، وهو ما ساهم في تفاقم حالة التكدس داخل المعبر.
ولفت إلى أن المعبر شهد خلال الأيام الماضية ارتفاعا في درجات الحرارة تجاوز 45 درجة مئوية، بالتزامن مع زيادة أعداد العالقين، مشيرًا إلى توفر وحدة علاجية ومركز للطوارئ لتقديم الخدمات الصحية، إضافة إلى تحويل الحالات الحرجة إلى مستشفيات دنقلا.
المصدر:
الجزيرة