في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الأهواز- من "كل عام وأنتم بخير" إلى "الحمد لله على السلامة" و"بعيد الشر إن شاء الله"، هكذا تحوُّلت تحايا عيد الفطر لدى الأهوازيين الذين يحتفلون بعيدهم على وقع القصف الأمريكي الإسرائيلي المتواصل ودخول الحرب أسبوعها الرابع، في حين تستقبل رائحة الغبار والبارود الضيوف على وقع أعمدة الدخان المتصاعدة ودوي الانفجارات المستمرة.
وفي صبيحة يوم العيد، كان من المفترض أن تمتلئ شوارع مدينة الأهواز، ذات الأغلبية العربية، والتي تقع في جنوب غرب إيران، وتبعد بحوالي 700 كيلومتر عن العاصمة طهران، بأطفال يرتدون ملابس جديدة، لكن في اليوم الـ22 من الحرب، بدا المشهد مختلفا في العديد من مناطقها بعدما تجاوزت حصيلة الضحايا ما لم يكن في الحسبان، ما جعل الاحتفالات معلّقة بين الرغبة في الحياة ووابل القصف الذي لا يتوقف.
وفي حي علوي الشهير باحتفالات سكانه بالمناسبات الدينية، فضّل علوان (48 عاما) تأدية صلاة عيد الفطر هذا العام في أحد مساجد الحي، خلافا لما دأب عليه خلال السنوات الماضية، حيث كان يحضر إلى جانب مئات الآلاف من الأهوازيين في المصلى الكبير وسط المدينة.
لكن المدينة -يقول علوان للجزيرة نت- كانت على موعد مع قصف عنيف استهدف عددا من المناطق طوال الأسابيع الماضية، سواء تلك التي تحتوي على مقرات عسكرية أو أمنية وسط الأحياء السكنية أو تلك التي تستهدف منشآت سياحية أو خدمية وسط الحشود التي كانت تستعد للاحتفاء بعيد الفطر، متسائلا: كيف نحتفل على جراح جيران وأقرباء فقدوا أحبة أو دُمرت بيوتهم جرّاء القصف المتواصل؟
وتم استهداف الأهواز عشية العيد -بحسبه- ثلاث مرات، وأن قصفا طال مطعما شعبيا على شاطئ نهر كارون أضفى حزنا كبيرا على المدينة بالتزامن مع آخر إفطار من الشهر الفضيل، ثم يصمت وكأنه يستذكر شيئا قبل أن يختم: "هنا نعيش على أعصابنا".
وفي طريقنا إلى صلاة العيد، التقنيا السيدة الأربعينية "أم علي" مع أطفالها فخاطبتنا بصوت يخالطه الحزن قائلة: "في كل عام، كنا نستيقظ باكرا، ويرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة، ويخرجون لزيارة الجيران". ثم استدركت: "هذا العام الخوف يمنع الأطفال من الخروج بمفردهم، وأتيت كي أوصلهم إلى بيت جدهم لمعايدته".
هذه المناطق لا توجد فيها قواعد عسكرية، أضافت أم علي للجزيرة نت، لذا شعرنا خلال الأيام الأولى من الحرب بالأمان نسبيا، لكن القصف بدأ يقترب من هنا شيئا فشيئا، وقبل يومين طال المنطقة المجاورة على طريق المحمرة، مستهدفا حي الملاشية الشعبي.
وأكدت أن الخطر لا يغيب ولا يستثني أحدا، والجميع معرّض للقصف، مضيفة أنها سمعت الليلة الماضية انفجارا هائلا اهتزت مع دويه الأرض، وتطاير زجاج النوافذ، متسائلة: كيف يمكن للأطفال أن لا يخافوا؟
ورغم القصف، لم يستطع الأهوازيون التخلّي عن تقاليد العيد، ففي مسجد الإرشاد بشارع فرحاني، أدى العشرات منهم صلاة العيد. وقال الشيخ حسن: "العيد رسالة أمل، والعبادة لا تتوقف بذريعة أن الحرب لا تتوقف، نتحدى القصف لكن لا بد من أخذ الحيطة، وإيماننا أقوى من هدير المقاتلات".
وما لبث أن رفع يديه مبتهلا بالدعاء أن تكون هذه آخر حروب تطارد أحلام الأبرياء. وما إن استذكر الأعياد التي أفسدها القصف الإسرائيلي على قطاع غزة حتى أجهش بالبكاء.
أما الأطفال، فكان لهم نصيب من الفرحة رغم الظروف، إذ استقبلهم خدَمة المسجد بحفاوة وقدموا لهم الحلوى، فارتسمت البسمة على وجوهم، في مشهد أشبه بلوحة متناقضة إذا ما قُورِن بالخوف الذي كان مسيطرا على أطفال أم علي بالقرب من المسجد.
وبعد صلاة العيد، عادت الحركة تدريجيا إلى شوارع حي علوي، وكأن المدينة تستعيد أنفاسها بعد ليلة من الترقُّب والخوف، فتفتح العديد من البيوت أبوابها التزاما بطقوس شعبية طالما حافظت عليها منذ عقود، والسيارات تعود إلى الشوارع الرئيسية، لكن لا يخفى على أهالي الحي بأن زخم الحركة هذا العام خفيف مقارنة مع السنوات الماضية.
وفي شارع مدرس بمنطقة كيان المجاورة، بدت "الفرحة هذه السنة حذرة، ولا تريد أن تجذب انتباها قد يأتي بصاروخ"، قال أبو عبد الحميد معلّقا على احتفالات عيد الفطر هذا العام في مدينته.
وواصل في حديث مقتضب وسريع مع الجزيرة نت: "الأهوازيون عادة يبدؤون يوم العيد بزيارة المقابر"، مضيفا أن "العيد هنا يستمر أياما، وأغلب المعايدات والزيارات العائلية تكون ليلا، أما في الصباح فعادة ما يذهب الشباب لمعايدة كبار السن، لكنّ الفرق هذا العام أن الزيارات أقل، والقلق أكبر".
ومع حلول الظهيرة، بدأت الشوارع تشهد حركة أوسع. ويصف أبو عبد الحميد الزيارات الخجولة هذا العام: "كأننا نسرق فرحة العيد من بين القنابل، لكن في وضح النهار"، مستدركا أن "لا شيء مضمون في زمن الحرب"، ثم يشير إلى أعمدة دخان كانت تتصاعد في سماء المدينة، في حين ظهرت مجموعات صغيرة من الأهالي في الطرقات يتبادلون التهاني.
وأضاف أنه يتوقع أن تقتصر المعايدات على نطاق ضيق بعد ما كانت تشكّل نسيجا اجتماعيا حيويا في أيام العيد.
ولدى مغادرة الجزيرة نت حي علوي باتجاه المناطق الشمالية، بدت الحركة أقل نشاطا مما شُوهد في جنوبها، بيد أن أعمدة الدخان الأسود التي ما زالت تتصاعد للسماء منذ عصر يوم أمس قد تُبرر تأجيل الأهوازيين مظاهر الفرحة إلى ما بعد أن تضع الحرب أوزارها، وحتى لو تعمّد بعض الأهالي رفع صوت الأغاني من داخل السيارات لكن تبقى أنغامها باهتة، لم تستطع شق طريق إلى قلوب الناس على وقع القصف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة