آخر الأخبار

"اللاروب" لحسن أوريد.. مرافعة روائية عن الربع الناقص في قصة نهضتنا

شارك

يستلّ المفكر والروائي المغربي حسن أوريد من معجم العامية المغاربية لفظة "اللاروب" – وهي المنحوتة لغويا من "إلا ربعا" مع إدغام العين – ليجعل منها أيقونة دلالية تتجاوز حدود التوقيت الزمني إلى تخوم التوصيف الوجودي والتحقير القيمي.

كأن الكاتب يقرر منذ العتبة الأولى أننا نعيش في برزخ لا هو بالماضي التام ولا هو بالمستقبل المكتمل

إن "اللاروب" في المخيال الشعبي المغربي أبعد من مجرد كسر حسابي، بل هي استعارة تكنى بها الأشياء المبتورة، والسلع الرديئة، والوعود المنقوصة؛ إنها وسم يُطلق على كل ما اعتراه العيب أو طاله القصور، حتى غدت في الوجدان الجمعي رديفا لـ "عدم التمام" وللحالات التي تقف عاجزة دون بلوغ كمالها.

وفي متخيل أوريد، لا تقتصر هذه اللفظة على خمس عشرة دقيقة تنقص الساعة لتكتمل، بل تتماهى مع الحالة العربية والمغربية في تجلياتها الأشمل؛ فهي الدولة غير المكتملة، والديمقراطية المبتورة، والمشاريع الفكرية التي تُجهض في أمتارها الأخيرة.

مصدر الصورة المفكر المغربي حسن أوريد (الجزيرة)

إنها رواية "العجز البنيوي" الذي يجعل من كل إنجاز منقوصا، ومن كل حلم "معيبا"، وكأن الكاتب يقرر منذ العتبة الأولى أننا نعيش في برزخ لا هو بالماضي التام ولا هو بالمستقبل المكتمل، بل نحن "أمة اللاروب" التي يطاردها النقص والعوز في كل آن، وتكتفي بالوقوف عند عتبات المقاصد دون ولوجها.

القفز السردي ليس مجرد حيلة فانتازية، بل هو تجسيد للمأساة التي تعرض لها جيل كامل سُرقت منه أحلامه

سريالية الانفلات من الزمن

تنهض الرواية على بنية سردية "سريالية" تعبث بخطية الزمن المتعارف عليها، لتعكس حالة التشتت التي يعيشها الوعي الجمعي. ينطلق السرد من خريف عام 1947، حيث نرافق "محمد بنيس" – المخبر الشاب في جهاز الحماية الفرنسية – وهو يتسلل إلى عوالم "كاباريه سنترا" بالدار البيضاء.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سيد العديسي.. شاعر الجنوب الذي أتقن المسكوت عنه
* list 2 of 2 مفتتح فن الرواية.. هل تحمل "دون كيشوت" بصمة الأدب العربي؟ end of list

في تلك اللحظة التاريخية المثقلة برائحة التحرر وألحان محمد عبد الوهاب المنسابة، يقع بنيس في "فخ زمني" يشبه الثقوب السوداء؛ فحين يخرج من الحانة، لا يجد العالم الذي تركه.

إعلان

لقد انفلت الزمان من "رتاجه" كما قال شكسبير، ليجد بنيس نفسه في عام 2018، غريبا عن مدينة تبدلت ملامحها، وعن جسد ترهل وشاخ في "الزمن صفر".

هذا القفز السردي ليس مجرد حيلة فانتازية، بل هو تجسيد للمأساة التي تعرض لها جيل كامل سُرقت منه أحلامه في "غفلة من الزمن"، ليجد نفسه في مستقبل لم يشارك في رسم إحداثياته، بل قُذف إليه قذفا كحطام تاريخي؛ حيث فقدت الهوية بوصلتها، واستحالت "سوليكا" – الحبيبة العصرية والرمز للحداثة المنشودة – إلى امرأة مسنة "بلدية/بدوية" تذوي في غبار الشيخوخة، في مفارقة ساخرة تضع البطل بين فكي الهلوسة والخديعة التاريخية.

كاباريه "سنترا"

يتحول كاباريه "سنترا" في الرواية من مجرد حانة في أزقة الدار البيضاء إلى مجهر يشرح فيه أوريد أزمات المجتمع. إنه "العلبة السوداء" التي تظهر فيها الصور الحقيقية للذوات المنكسرة. في هذا الفضاء، يتواجد زبائن هم في الحقيقة رموز لحالات فكرية؛ فهناك "العلام" الفيلسوف، و"المعطي" المؤرخ، و"الفتى الموتشو" الذي يحاول يائسا ضبط إيقاع حياة انفلتت عقارب ساعتها.

تجمد العقرب الكبير للساعة عند الرقم تسعة (إلا ربع) في "سنترا"، في إشارة رمزية بليغة إلى حالة "الركود التاريخي"

من أكثر ملامح الرواية بلاغة هو الاستحضار لرموز التحرر العربي؛ فيحضر الأمير عبد الكريم الخطابي، وجمال عبد الناصر، والمهدي بن بركة، وعمر بن جلون

المرتادون يغرقون في شجون الأغاني العربية والمغربية، من أم كلثوم إلى "ناس الغيوان" و"الحسين السلاوي"، ليس طلبا للطرب فحسب، بل بحثا عن "دفء الماضي" كملجأ من صقيع الحاضر. بيد أن أوريد يواجههم بأن "بساط الريح" قد سقط، وأن الهروب نحو الماضي هو استقالة من التاريخ.

الرواية هنا تطرح أطروحة مركزية: إن المجتمع الذي يعيش أزمنة متعددة ومتناقضة في رقعة واحدة – زمن الحماية، زمن النكبة، وزمن العولمة – لا يمكنه أن يتقدم؛ فالتعدد الزمني غير المتسق هو حالة "تثبيط" حضاري تمنع الانعتاق، فلا يستقيم الفكر دون حرية، ولا تقوم الحرية دون تحرر يبدأ من عزيمة التضحية.

حوارية مع "المنهزمين العظام"

من أكثر ملامح الرواية بلاغة هو ذلك الاستحضار "الشبه أسطوري" لرموز التحرر العربي والمغربي؛ فيحضر الأمير عبد الكريم الخطابي، وجمال عبد الناصر، والمهدي بن بركة، وعمر بن جلون.

مصدر الصورة المعارض المغربي المهدي بن بركة (مواقع التواصل الاجتماعي)

هؤلاء "الغائبون الحاضرون" لا يظهرون كأصنام تاريخية جامدة، بل كشخصيات روائية حية تعتلج في صدورها متناقضات الشعور بين زفرات الأسى وبوارق المسرّة، تتبعثر في فضاء السرد حين تُجترح الكبائر التاريخية، تماماً كما في "هاملت".

يصنفهم أوريد كـ "منهزمين كبار"؛ ليس تحقيرا لمنجزهم، بل توصيفا لمآلات مشاريعهم "اللاروب"؛ أي المشاريع الناقصة والتي قُوبلت بالنفي أو الاغتيال أو الانكسار، لكنهم رغم ذلك يسكنون وجدان مجتمعاتهم.

وجود هؤلاء الأشباح في فضاء "سنترا" هو استنطاق للمسارات التي أدت إلى "اللاروب" الحالي، وفحص لـ "العزيمة" التي تآكلت وسط ركام الردات المتتالية. من خلالهم، يطرح أوريد تساؤلاً جوهريا: هل كانت تضحيات هؤلاء العظام جسرا للعبور، أم أنها كانت صرخات في واد سحيق أضاع عقبه "الحلم الجماعي"؟

تتجاوز رواية "اللاروب" حدود الترف السردي لتغدو تشريحا فكريا عميقا في كنه الزمن وماهية الحرية

الخيبة الوجودية

في خواتيم السرد، تتكشف لنا حقيقة "محمد بنيس" في بوح شجي ومستفيض. نكتشف أن "المخبر" لم يكن إلا قناعا لنفس مناضلة عانقت المد التحرري في قاهرة الخمسينيات، وواكبت أحلام العروبة الكبرى من النكبة إلى العبور. لكنه ينثني بخيبة تضاهي حجم تلك الأحلام؛ فالحبيبة اليهودية "سوليكا" ضحت بالحب من أجل "أيديولوجيا" صهيونية، وهو ما يشير إلى تصدع قيم التعايش الإنساني أمام توحش الأفكار المنغلقة.

إعلان

يغادر بنيس مسرح الحياة وهو يخشى وضعا قد يكون أسوأ من الاستعمار؛ فبينما كان الاستعمار "تحديا وجوديا" استنهض في النخب "مناعة" المقاومة وجذوة الطموح، فإن السياق المعاصر الذي يسبق رحيله يتسم بـ "الوهن البنيوي".

حيث فقدت النخب والشعوب تلك المناعة، واستسلمت لحالة من العطالة الفكرية والتبعية. إنها مرثية لجيل كامل آمن بالتغيير الجذري لينتهي به المطاف في "حانة" تتسلى باجترار الأمجاد الغابرة، بينما "السرديات الكبرى" تنشئ أسرا وظيفية بديلة عن الأواصر العضوية الحقيقية.

مرافعة الربع المفقود

تتجاوز رواية "اللاروب" حدود الترف السردي لتغدو تشريحا فكريا عميقا في كنه الزمن وماهية الحرية؛ حيث صيغت بذكاء خلف قناع من الهزل الساخر الذي يروض القضايا الوعرة ويجعلها سائغة للمتلقي. وقد يأخذ عليها البعض مأخذ إغراق الكاتب في توظيف الدارجة المغربية عبر الحوارات، فإن القراءة المتأنية تكشف أن اللغة هنا لم تكن مجرد وعاء للتواصل، بل ارتقت لتكون الحامل الأمين للذاكرة وللمدركات الجماعية للأمة.

يخلص أوريد في منتهاه إلى حقيقة جوهرية: وهي أن استرداد الزمن المسلوب لا يتأتى إلا باجتراح حلم جمعي جديد ينهل من معين الثقافة، وبإعادة ضبط "عقرب الزمان" على إيقاع الفكر الحر. حسن أوريد لا يروم توثيق الوقائع التاريخية بل يطمح إلى تدوين "تاريخ الانكسارات" التي ما تبرح تبحث عن ربعها المفتقد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار