آخر الأخبار

مليونا أسير وذاكرة معلّقة.. معهد العالم العربي يعيد كتابة تاريخ العبودية في المتوسط

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باريس – متجاوزا عرض الوثائق أو الشهادات إلى مساءلة التاريخ المسكوت عنه: كيف كُتب؟ ومن صاغ سرديته؟ ومن تمّ إقصاؤه من صوته؟ وبين الفن والأرشيف، وبين الصورة والوثيقة، يحاول معهد العالم العربي بباريس إيقاظ تاريخ صامت للعبودية بين ضفتي المتوسط، وإعادة كتابته بلغة الفن في استعادة حية وجريئة للذاكرة المنسية والمغيبة، من خلال معرض "العبودية في حوض المتوسط في القرنين السابع عشر والثامن عشر"، الذي يمتد من 31 مارس/آذار إلى 19 يوليو/تموز 2026.

مساءلة التاريخ

في المعرض تنكشف طبقات من ذاكرة العبودية في حوض المتوسط خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث يُعاد النظر في علاقة الإنسان المستعبد بالسلطة وبالأجساد التي تحولت يومًا إلى أرقام في سجلات النسيان، كمنظومة تاريخية ما تزال آثارها تمتد إلى الحاضر.

مصدر الصورة للمرة الأولى يُخصَّص عرض متحفي كامل لموضوع العبودية في حوض البحر الأبيض المتوسط (الجزيرة)

تتقاطع في هذا الفضاء البصري والإنساني الحكايات الفردية مع آثارها في الفنون والوثائق، وتتشكل صورة أكثر تعقيدًا مما تسمح به الروايات المبسطة عن المتوسط، البحر الذي تحول من مجرد جغرافيا للتبادل إلى مسرحا كثيفا للذاكرة والتوترات الإنسانية والتاريخية والقصص المنسية القابعة في غياهب النسيان وقاع السفن التجارية، لأنه "حيث يُنكر العدل يُصبح النسيان شكلًا آخر من أشكال العبودية"، كما يقول المناضل والكاتب الأمريكي من أصل إفريقي فريدريك دوغلاس (1818-1895)، أحد أبرز رموز حركة إلغاء العبودية في القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ماردين.. إعادة افتتاح مدرسة القاسمية التاريخية مركزا تعليميا بعد قرن من التوقف
* list 2 of 2 "الزاوية الألمانية".. التقاء النهرين الذي جمع أشلاء ألمانيا الممزقة end of list

ذاكرةٌ منسية بين ضفّتين

وفي هذا الإطار، أوضحت مديرة المتاحف والمعارض في معهد العالم العربي بباريس ناتالي بونديل، أن هذا المعرض يُعدّ سابقة من نوعه لأنه للمرة الأولى يُخصَّص عرض متحفي كامل لموضوع العبودية في حوض البحر الأبيض المتوسط، في حين ظلّ التركيز طويلًا منصبًّا على تجارة الرقيق عبر الأطلسي. وشددت على أن هذا التركيز الأحادي حجب تاريخًا آخر أكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث اتخذت العبودية أشكالًا متعددة داخل الفضاء المتوسطي لا يمكن اختزالها في نموذج واحد أو سردية واحدة.

مصدر الصورة ‎⁨مديرة المتاحف والمعارض في المعهد ناتالي بونديل⁩. (الجزيرة)

تجربة المتوسط

وأشارت بونديل في تصريحها للجزيرة نت، أن كلمة "العبودية" نفسها تحمل جذورًا تاريخية قديمة تعود إلى العصور الكلاسيكية، حيث ارتبطت بمعنى الخضوع والاستعباد، لكن التجربة المتوسطية تكشف عن تعدد في أشكالها ومرجعياتها. فقد شمل هذا النظام أشخاصًا من خلفيات دينية وجغرافية مختلفة: مسلمين ومسيحيين ويهودًا مغاربيين وأتراكًا عثمانيين، ما يجعل من العبودية هنا مسألة تتعلق بالانتماء الديني أو الطائفي أكثر من ارتباطها بالسمات الجسدية أو اللون.

"حيث يُنكر العدل يُصبح النسيان شكلًا آخر من أشكال العبودية"

وأكدت أن هذا الطرح يفتح أفقًا نقديًا جديدًا لفهم الظاهرة، لأنه يضعها في مقارنة مع أنماط أخرى من الاتجار بالبشر عبر التاريخ، ويكشف في الوقت ذاته عن حجمها الحقيقي، إذ يُقدَّر عدد من شملهم هذا النظام بنحو مليوني شخص داخل الحوض المتوسطي، وهو رقم أقل من تجارة الأطلسي، لكنه لا يقل أهمية لفهم البنية التاريخية للعنف في المنطقة.

مصدر الصورة يختار معهد العالم العربي أن يبطئ الزمن قليلًا لا ليعيد ترتيب الذاكرة فحسب، بل ليعيد مساءلتها (الجزيرة)

بين الملاحة والقرصنة والأسر

في الذاكرة الاجتماعية العالمية أو حتى في الدراسات الأنثروبولوجية الإنسانية الحديثة، تكاد تُختزل العبودية في مسارٍ واحد هو تجارة الرقيق عبر الأطلسي، غير أن هذا المعرض يأتي ليعيد فتح ملفّ تاريخي آخر ظلّ في الظل طويلًا: العبودية في المتوسط، فخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، تحول البحر المتوسط من مجرد فضاء للتجارة أو الملاحة، إلى فضاء مفتوح للقرصنة والأسر والنقل القسري للبشر، حيث تتداخل المصائر وتتشابك الحدود بشكل يفوق التصور البسيط للخرائط السياسية.

إعلان

لم تكن الهوية الدينية أو الجغرافية حاجزًا للنجاة، فقد وجد المسلمون والمسيحيون والأوروبيون وشمال الأفارقة، أنفسهم داخل البنية نفسها من الأسر والاستغلال، وكأن البحر نفسه يعيد توزيع الأدوار باستمرار بين الضحايا والفاعلين.

هنا، يتفكك الخط الفاصل بين "الآخر" و"الذات"، ويظهر التاريخ كشبكة معقدة من المصائر المتداخلة، حيث تتقاطع السياسة بالدين بالاقتصاد، وتتشكل حياة البشر داخل منظومة عنف تتجاوز التصنيفات البسيطة. يتحول مفهوم العبودية من مجرد علاقة بين ضحية وجلاد، إلى نظام اجتماعي واقتصادي وثقافي متشابك يعيد تشكيل الأفراد والمجتمعات على ضفتي المتوسط.

مصدر الصورة مديرة المتاحف والمعارض في معهد العالم العربي بباريس ناتالي بونديل (الجزيرة)

كما لفتت بونديل إلى أن المعرض يعرض نماذج لأعمال فنية استعانت بالعبيد كنماذج، مثل نصب "كواترو موري" في ليفورنو، أو مشاهد درج السفراء في قصر فرساي كما صوّره لو برون، في إشارة إلى حضور العبودية حتى داخل الفن الأوروبي الكلاسيكي، بما يكشف أن هذا التاريخ لم يكن هامشيًا كما يُظن، بل كان جزءًا من بنية الصورة نفسها.

من ألم الطوق إلى التوق للتحرر

تشبه تجربة الدخول إلى معرض "العبودية في حوض المتوسط" الانزلاق التدريجي داخل طبقات من الزمن، حيث يعيد المسار بناء الرحلة منذ انطلاقها بدءا بلحظة الأسر وعبور البحر، ومرورا بالحياة داخل السفن، ووصولا إلى العمل القسري في الموانئ والترسانات، وانتهاء باحتمالات الفداء أو التحرر، في سرد فني بصري وزمني متدرّج يجعل من التجربة شيئا يُعاش لا يُشاهد فقط، ليتحول الأسر في هذا العالم إلى حالة وجودية كاملة، خوف دائم وأجساد مرهقة وزمن متوقف بين احتمالين لا ثالث لهما.

والحياة اليومية داخل هذه المنظومة الاجتماعية الظالمة ليست استثناء بل هي القاعدة، عمل شاق ومراقبة مستمرة وانتظار لا ينتهي، وكأن الزمن نفسه فقد اتجاهه وبوصلته داخل هذه التجربة الإنسانية القاسية.

وأوضحت مديرة المتاحف والمعارض في معهد العالم العربي بباريس، أن أحد أهداف المعرض هو إعادة بناء هذه الحياة اليومية بتفاصيلها الدقيقة، من خلال الوثائق والرسائل والشهادات التي تكشف كيف عاش هؤلاء البشر داخل هذا النظام، وكيف حاولوا الحفاظ على ما تبقى من إنسانيتهم، رغم انكسار الظروف من حولهم.

وبعيدا عن المادة الجامدة، يقدّم المعرض الوثائق التاريخية في سياق فني حيّ، يجعل من التاريخ تجربة حسية لا مجرد معرفة عقلية يعيشها زوار المعرض بكل حواسهم. فاللوحات والمنحوتات والمخطوطات لا تُعرض هنا كزينة بصرية، بل كشهادات على تجربة إنسانية معقدة تمتد بين الألم والتمثيل والذاكرة.

مصدر الصورة معرض العبودية في معهد العالم العربي بباريس (الجزيرة)

رسائل بخط اليد

وفي قلب هذا المعرض تبرز الرسائل المكتوبة بخط اليد بوصفها أكثر العناصر تأثيرا في الجمهور، لأنها تحاول نقل أحاسيس الخوف والحنين والرجاء والانقطاع والتوق لكسر الطوق من أجل التحرر والخلاص للزوار، من خلال القصص الخفية لهذه الرسائل التي لم يصل بعضها أبدا إلى وجهته النهائية، وبعضها الآخر ظل عالقا في المسافة بين البحر والبر، لكنها جميعا حملت رسائل خفية رمزية وبقيت تحتفظ بأثر الإنسان في لحظة انكساره، وكأن الكتابة نفسها كانت محاولة أخيرة لمقاومة الفقد والقيد والتعلق بخيط الأمل الرفيع وضوء الحرية البعيد.

إعلان

وأكدت بونديل أن كل هذه المواد والتماثيل والأرشيف التاريخي المعروض، تحاول نقل تجارب إنسانية حية تعيد وصل الزائر بأصوات طواها الزمن، وتجعله يقترب من التجربة حسيا وإنسانيا قبل معرفيا.

معرض العبودية في معهد العالم العربي بباريس – جانب من المعروضات والوثائق باللغة العربية (الجزيرة)

تجربة تاريخية تُعاش

في هذا المعرض يتواشج الفضاء المكاني والإطار الزماني ليتحوّلا إلى عنصر سردي قائم بذاته، يعيد تشكيل علاقة الزائر بالتاريخ من الداخل. فالسينوغرافيا هنا توحي بأنها لتنظيم المسار، لكنها في الحقيقة صممت كتجربة حسّية متكاملة تُشبه رحلة نزول تدريجي إلى طبقات الذاكرة، حيث يتدحرج الماضي من فكرة بعيدة إلى حالة إدراك تُعاش بالجسد قبل العقل.

يبدأ مسار المعرض وكأن الزائر يهبط ببطء نحو أعماق السفن حيث تتغير الإضاءة تدريجيا، وتتكثف الأصوات في الخلفية، وتتحول القاعات إلى فضاءات شبه مغلقة، تتداخل فيها الظلال مع الموسيقى مع الهمسات، ليستعيد المكان نفسه ذاكرته الخاصة، ويستعيد الزائر بدوره الإحساس بخطوات الأسرى وصرخاتهم ورحلة العبودية الشاقة بين أمواج المتوسط المتلاطمة.

صمم معرض العبودية في معهد العالم العربي بباريس كتجربة حسّية متكاملة (الجزيرة)

من متفرج إلى شاهد

وفي هذا السياق، أشارت ناتالي بونديل، في معرض حديثها للجزيرة نت، إلى أن تصميم المعرض كان خيارا جماليا وقرارا معرفيا وإنسانيا يهدف إلى نقل الزائر من موقع المتفرج إلى موقع الشاهد والغوص به إلى داخل التجربة نفسها.

وأضافت أن السينوغرافيا تقوم على الانغماس التدريجي، حيث ينزل الزائر كما لو أنه يغوص داخل السفن إلى مستوياتها السفلى، حيث كان يُحتجز المجدّفون في ظروف قاسية.

كما أوضحت أن الأصوات المتداخلة بلغات متعددة مثل العربية مع ترجمتها والفرنسية مع شهادات مكتوبة ومسموعة، تشكل عنصرا أساسيا في بناء التجربة الحسية الإنسانية، لأنها تعيد الحياة إلى أصوات حقيقية تركها أصحابها خلفهم عبر رسائل مؤثرة تكشف تفاصيل يومياتهم داخل الأسر، بعضها لم يصل إلى عائلاتهم، لكنه ظل شاهدا على الألم والمقاومة في آن واحد.

وتخلص بونديل إلى الإشارة إلى أن هذا البناء السينوغرافي لا يسعى إلى الإبهار، بقدر سعيه لإعادة تشكيل العلاقة مع التاريخ المنسي بحيث يصبح الزائر جزءا من السرد لا مجرد متلقٍ له، في تجربة تتقاطع فيها المعرفة بالإحساس والذاكرة بالحاضر. وهذا المشروع الفني برأيها، يسعى إلى الاقتراب من الإنسان في جوهره، وفي آلامه وآماله ونضاله من أجل التحرر والبقاء.

تتداخل الأعمال الفنية المعاصرة مع الوثائق التاريخية بمعرض العبودية (الجزيرة)

الجمال الملطخ بالدماء

وينفتح معرض "العبودية في حوض المتوسط" في قسمه الأخير على سؤال معاصر.. كيف نكتب هذا التاريخ اليوم؟ وكيف نواجه ذاكرة مليئة بالتناقضات دون تبسيطها أو اختزالها؟ لتتداخل هنا الأعمال الفنية المعاصرة مع الوثائق التاريخية، وتعيد التفكير في علاقة الفن بالذاكرة، وفي قدرة الصورة على استعادة ما تم إسكاته.

ويُختتم مسار المعرض بعمل للفنان كيفورك مراد صممه وأبدعه خصيصا للمعرض، ويُظهر هذا العمل مشاهد لحقول تتخللها آثار معمارية مهيبة تعبّر عن عظمة تاريخ الفن في أبهى صوره، لكن من خلال فتحات ونوافذ، يمكن تلمّس العمل الشاق للعبيد ومعاناتهم خلف هذا المجد الظاهر. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في التاريخ، بعيدا عن صورته الممجَّدة، لنفهم ما يخفيه من معاناة إنسانية عميقة.

ويكتشف الزائر هذا التناقض بين المجد الظاهر للتاريخ، وبين طبقات العمل والمعاناة التي قامت عليه، في ترجمة فنية واستحضار رمزي مبطن لمقولة عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق".

إعلان
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار