آخر الأخبار

الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحقيق ويغير قواعد اللعبة

شارك

بعد أكثر من 30 عاما على جريمة اختفت تفاصيلها في الأدراج، عاد اسم الضحية إلى الواجهة فجأة. لا شاهد جديد ظهر ولا اعتراف متأخر سُجل، ما حدث ببساطة أن خوارزمية أعادت النظر في تسجيلات قديمة وربطت بين خيطين لم يلتقيا من قبل. في زمن الذكاء الاصطناعي لم يعد الصمت الطويل نهاية القصة.

الأدلة الصامتة تتكلم

لعقود شكلت الأدلة المتراكمة في أقسام الشرطة عبئا أكثر من كونها فرصة، فهناك لقطات كاميرات مراقبة مشوشة وبصمات غير مكتملة وسجلات اتصالات ضخمة لا يمكن فرزها يدويا، وتقارير طب شرعي أُغلقت دون نتيجة.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 استطلاع: تصاعد المخاوف من فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي
* list 2 of 4 الصين تدرب أسلحة تدار بالذكاء الاصطناعي مستلهمة سلوك الصقور والذئاب
* list 3 of 4 تحالف تقني لتوطين حلول الإنتاج الإعلامي بالذكاء الاصطناعي في الخليج
* list 4 of 4 تقرير: آبل تعمل على تطوير دبوس ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي end of list

لكن اليوم تغير المشهد، إذ إن تقنيات تحسين الصور والتعرف على الأنماط وتحليل البيانات الضخمة أعادت تعريف "القيمة" في هذه الأدلة، وما كان يعد غير صالح للتحقيق في التسعينيات من القرن الماضي بات الآن مادة خاما قابلة لإعادة التحليل، وربما لإعادة فتح قضايا ظلت بلا إجابة سنوات طويلة.

في بعض الحالات قادت إعادة فحص قواعد بيانات الحمض النووي باستخدام خوارزميات أحدث إلى تضييق دائرة الاشتباه، وفي أخرى أتاح تحليل لقطات قديمة -بجودة متدنية- استخلاص تفاصيل لم يكن للعين البشرية أن تلتقطها آنذاك، فالزمن -الذي كان عدو التحقيق- أصبح فجأة حليفا تقنيا.

وفي ولاية ألاسكا، منح هذا التطور أملا جديدا لملفات مفقودي السكان الأصليين، بعد أن كانت تلك القضايا تمثل "جدارا مسدودا" بسبب تراكم الوثائق الورقية والأدلة غير المفروزة عقودا طويلة.

مصدر الصورة التحول التكنولوجي أعاد تشكيل دور المحقق البشري من جامع للأدلة إلى محلل ومدقق (أسوشيتد برس)

المحقق الجديد.. خوارزمية لا تنام

داخل غرف التحقيق الحديثة، لم تعد الملفات الورقية هي النجم، بل أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل على مدار الساعة تمسح ملايين السجلات في وقت قياسي، فترصد التقاطع بين مواقع الهواتف وتحركات السيارات، وتربط بين بلاغات متفرقة، وتستخرج "خيوطا" محتملة لمسارات تحقيق جديدة.

إعلان

شركات ناشئة مثل "كلوجر" (Closure) و"لونجيي" (Longeye) بدأت بالفعل في تزويد قطاعات الشرطة بأنظمة قادرة على تفريغ آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية وتحويلها إلى نصوص قابلة للبحث في دقائق، إلى جانب تصنيف الصور والفيديوهات وربط الأدلة القديمة ببيانات جديدة.

هذا التحول أعاد تشكيل دور المحقق البشري، فبدل أن يكون مجرد جامع للأدلة بات محللا ومدققا في نتائج تجمعها الخوارزميات. السرعة هنا مذهلة لكنها سلاح ذو حدين، فكلما ازدادت قدرة النظام على اقتراح روابط محتملة ازدادت الحاجة إلى عين بشرية ناقدة تتساءل "هل هذا الارتباط منطقي أم مجرد تشابه إحصائي؟".

نظريا تشير الخوارزمية ولا تُدين، لكن عمليا قد يغري هذا "الذكاء" بعض الأقسام بتصديق النتائج قبل إخضاعها للتشكيك الكافي.

ويصف رئيس شرطة مدينة أنكوريج هذه النقلة بقوله إن التكنولوجيا الجديدة "حولت ملفات بدت مستحيلة الفهم إلى ملخصات واضحة يمكن العمل عليها"، مؤكدا أنها أعادت الحركة إلى قضايا راكدة -لا سيما ملفات مفقودي السكان الأصليين- من دون أن تحلها تلقائيا.

مصدر الصورة التكنولوجيا الجديدة حولت ملفات بدت مستحيلة الفهم إلى ملخصات واضحة يمكن العمل عليها (أسوشيتد برس)

الوجه المظلم.. تحيزات وخصوصية وأخطاء قاتلة

رغم الوعود الكبيرة، يحمل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي مخاطر حقيقية، فمثلا أنظمة التعرف على الوجوه أظهرت في تجارب عديدة معدلات خطأ أعلى عند التعامل مع فئات سكانية بعينها نتيجة تدريبها على بيانات غير متوازنة، وهنا لا يكون الخطأ تقنيا فحسب، بل قد يتحول إلى اتهام خاطئ يغير حياة شخص بريء.

ويحذر خبراء حقوقيون من الانزلاق نحو التعامل مع "التطابق الخوارزمي" بصفته دليلا شبه قاطع، رغم أنه في جوهره احتمال إحصائي، والخطر الأكبر أن تتحول الأداة المساعدة إلى سلطة غير مرئية يصعب الطعن في منطقها أو مساءلتها.

أما الخصوصية، فهي السؤال الأكثر حساسية، فإلى أي مدى يحق للشرطة إعادة استخدام بيانات قديمة -من كاميرات المدن إلى السجلات البيومترية- بحجة حل ملفات؟ وهل يبرر السعي للعدالة توسيع دائرة المراقبة على مواطنين لم يكونوا يوما محل شبهة؟.

مصدر الصورة داخل غرف التحقيق الحديثة لم تعد الملفات الورقية هي النجم بل أنظمة الذكاء الاصطناعي (أسوشيتد برس)

حدود قانونية وأخلاقية ما زالت ضبابية

المشكلة لا تتوقف عند التكنولوجيا، بل تمتد إلى فراغ تشريعي واضح، ففي كثير من الدول لا توجد أطر قانونية تفصيلية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيق الجنائي، وهناك أسئلة جوهرية لا تزال بلا إجابة "من يراجع الخوارزمية ويختبر تحيزاتها؟ من يتحمل المسؤولية إذا قادت نتائجها إلى خطأ قضائي؟ وهل يجب إبلاغ المتهم بأن أحد أدلة الإدانة نتاج تحليل خوارزمي؟".

ومع تصاعد الاعتماد على هذه الأدوات تتضخم المشكلة من تقنية إلى قانونية ثم إلى أخلاقية تمس جوهر العدالة ذاتها. والخلاصة هنا أن الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على إعادة الأمل لعائلات انتظرت الحقيقة طويلا، لكنه إن تُرك بلا ضوابط قد يفتح بابا جديدا لأخطاء لا تقل قسوة عن الجرائم التي يسعى لكشفها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار