لطالما سعى المهندسون إلى محاكاة الحياة، فقد بنوا خوارزميات تعلم آلي تحاكي الدماغ البشري، وصمموا آلات تمشي كالكلاب أو تطير كالحشرات، وعلموا الروبوتات التكيف، وإن كان ذلك بشكل غير متقن، مع العالم المحيط بها.
والآن بدلًا من الاكتفاء بالاستلهام من علم الأحياء، أصبحوا يبنون الروبوتات من هذا المنظور، من خلال تشكيل تجمعات صغيرة حرة الحركة من خلايا حية تنتظم في أنظمة ذاتية التوجيه، وتكتمل بخلايا عصبية تتصل فيما بينها لتكوين دوائر وظيفية.
والنتيجة، التي نُشرت الشهر الماضي في مجلة "أدفانسد ساينس"، هي ما يسميه الباحثون ب"الروبوت العصبي"، بحسب تقرير لمجلة "IEEE Spectrum"، اطلعت عليه "العربية Business".
قد تساعد هذه الآلات الحية العلماء على فهم أفضل لكيفية نشوء سلوكيات معقدة من شبكات عصبية بسيطة، وهي خطوة أساسية نحو بناء أنظمة سايبورغ تدمج الأنسجة البيولوجية مع أنظمة التحكم الهندسي.
ومع مزيد من التطوير، يمكن استخدام هذه الآلات الحية في تطبيقات تتراوح من إصلاح الأنسجة بدقة إلى تنظيف البيئة.
قالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في جامعة مينيسوتا توين سيتيز، وهي لم تشارك في البحث: "ردة فعلي بشكل عام هي: يا للعجب، هذا مذهل!"،
مضيفة: "هذا يجسد حقًا المكون الهندسي في الهندسة الحيوية".
تُمثّل الروبوتات العصبية أحدث إنجاز في سلسلة من الآلات البيولوجية المتزايدة التعقيد التي طورها عالم الأحياء بجامعة تافتس مايكل ليفين وزملاؤه.
وُصفت هذه التجمعات من الخلايا الحية لأول مرة في عام 2020، وعند إخراجها من سياق نموها الطبيعي وزراعتها في محاليل ملحية بسيطة، فإنها تنظم نفسها تلقائيًا بطريقة تجعلها تتحرك وتتصرف بطرق جديدة.
وتحت المجهر، تبدو هذه التجمعات ككتل نسيجية غير منتظمة وشفافة، لكن حركتها المنسقة تكشف عن نظام ناشئ لا مثيل له في العالم الطبيعي.
وقال كارلوس غيرشنسون، عالم الحاسوب في بجامعة بينغهامتون، الذي يدرس الحياة الاصطناعية والأنظمة المعقدة ولكنه لم يشارك في أبحاث الروبوتات العصبية: "هذه الأشياء لا تحدث طبيعيًا. إنها مصنوعة من خلايا طبيعية، لكننا نحن من نرتبها".
صُنعت النماذج الأولى لهذه التقنية، والتي تُسمى " xenobots"، من أنسجة مأخوذة من الضفادع، وبشكل أساسي من نوع واحد من الخلايا البنيوية.
وعلى الرغم من بساطة تركيبها، فإنها كانت قادرة على دفع نفسها في الماء باستخدام زوائد نابضة تشبه الشعر تُسمى الأهداب. وقد عاشت لأيام دون مغذيات، واستطاعت أيضًا إصلاح الأضرار الطفيفة، كل ذلك دون أي مواد داعمة أو تعديل وراثي.
بل إن بعض هذه الروبوتات كان قادرًا على التكاثر الذاتي عن طريق جمع الخلايا الجذعية المتناثرة تلقائيًا.
ومع ذلك، ورغم كل ما تحمله هذه الآلات البيولوجية من حداثة، فإن سلوكها كان ميكانيكيًا في الأساس، فقد كانت حركتها مدفوعة بالتشريح والفيزياء، وليس بأي شيء يشبه التحكم الداخلي.
وبإمكان هذه الروبوتات استشعار الإشارات الكيميائية، وتغيير اتجاهها تبعًا لذلك، بل والاحتفاظ بآثار التجارب السابقة، كما هو موضح بالتفصيل في دراسة أولية نُشرت في 17 مارس على منصة "bioRxiv".
لكن العديد من الكائنات الحية البسيطة الأخرى - بما فيها الفطريات والطلائعيات والبكتيريا - قادرة على فعل الشيء نفسه تقريبًا.
ولتحقيق سلوك أكثر مرونة وتناسقًا، ستحتاج هذه الكائنات إلى طريقة لدمج المعلومات في جميع أنحاء الجسم وتوجيه أفعالها ديناميكيًا. وهنا تبدأ الروبوتات العصبية بتوفير هذا المستوى المفقود من التحكم.
على غرار نماذج "xenobots" السابقة، لا تزال الروبوتات العصبية تُبنى من خلايا الضفادع، لكنها أصبحت الآن مزوّدة بخلايا عصبية تنضج من خلايا جذعية متمايزة جزئيًا.
وتنمو هذه الخلايا العصبية جنبًا إلى جنب مع الأنسجة البنيوية، مكونة روابط متفرعة في أنحاء الكائن الذاتي بالكامل، ما يعني أنها قادرة على نقل الإشارات الكهروكيميائية من خلية إلى أخرى.
وعلى عكس النماذج المختبرية الأخرى للجهاز العصبي -مثل العضيات الدماغية أو تقنيات المختبر على رقاقة- تتحرك الروبوتات العصبية. وتسبح هذه الروبوتات العصبية وتستكشف محيطها وتتفاعل معه بطرق تربط الإشارات الكهربائية بالحركة الملحوظة، مما ينتج عنه أنماط من النشاط البدني تختلف عن نظيراتها غير العصبية.
تقضي الروبوتات العصبية وقتًا أقل في السكون ووقتًا أكبر في الاستكشاف، كما أنها تسلك مسارات دائرية وحلزونية بدلًا من تكرار مسارات بسيطة. كذلك فإنها تستجيب بشكل مختلف للعقاقير المؤثرة عصبيًا.
وقالت هالة فوتوات، مهندسة الأعصاب من معهد وايس للهندسة المستوحاة من علم الأحياء بجامعة هارفارد، والتي تعاونت مع فريق ليفين في هذه الدراسة: "إذا أمكن الآن فك شفرة المبادئ التنظيمية التي تسمح بهذه الحركات وردود الفعل الموجهة داخليًا، فسيُمكن تسخيرها لإنتاج وظائف بيولوجية أكثر قابلية للتنبؤ".
وأضافت: "ما زلنا في مرحلة مبكرة جدًا من حيث فهم هذا النظام وقدراته".
لكنها قالت إنه بمجرد أن يفهم العلماء كيف تعيد الروبوتات العصبية تنظيم نفسها ذاتيًا "يمكننا عندها البدء في إجراء هندسة مبنية فوق هذه الأسس".
من بين الأشكال المتعددة لفكرة الروبوتات الحية، هناك ما يُعرف باسم "Anthrobots"، وهي تُبنى من تجمعات من خلايا الرئة البشرية بدلًا من أنسجة الضفادع.
ويخطط فريق مايكل ليفين الآن لإضافة خلايا عصبية بشرية إلى هذه ال "Anthrobots"، ما يوسع إطار الروبوتات العصبية إلى سياق بشري كامل.
وبعد ذلك، ومن خلال المزيد من التكييف والتعلم الموجه، قد تصبح هذه الآلات الحية -مثل الكلاب المدربة على كشف القنابل- قادرة على تكييف سلوكها بطرق يمكن التنبؤ بها.
وقال جوش بونغارد، عالم الحاسوب وخبير الروبوتات في جامعة فيرمونت: "الأمل هو أن تتمكن من تعليمها أو تدريبها على القيام بما تريد منها أن تفعله".
لم يشارك بونغارد في دراسة الروبوتات العصبية، ولكنه متعاون دائم مع ليفين. وقد أسسا معًا معهد الكائنات المصممة حاسوبيًا، وهو مؤسسة غير ربحية، وشركة ناشئة تجارية، هي "فونا سيستمز"، لتطوير التقنيات المتعلقة بالروبوتات الحيوية.
وبحسب نيميش باتيل، الرئيس التنفيذي لشركة فونا، تستهدف الشركة في البداية تطبيقات الاستشعار البيئي، ساعيةً إلى نشر روبوتات " xenobots" في مجالات مثل تربية الأحياء المائية، ومراقبة مياه الصرف الصحي، والكشف عن الملوثات، حيث تُمكن قدرة هذه التقنية على دمج إشارات متعددة من الحصول على قراءة مبكرة لحالة النظام البيئي.
فإذا واجهت هذه الروبوتات مزيجًا من عوامل الإجهاد - كارتفاع مستويات المعادن الثقيلة، وتغيرات درجة الحموضة، وآثار جريان المياه الزراعية - فإن تغيراتها الجماعية في الحركة أو النشاط قد توفر إشارة حساسة وفورية تشير إلى وجود خلل ما في البيئة.
المصدر:
العربيّة