في مواجهة تكتيكية حملت أبعاداً عاطفية وصداماً بين جيلين تدريبيين، نجح "المعلم" جوزيه مورينيو في فرض تفوقه الواضح على تلميذه السابق ألفارو أربيلوا، بعدما قاد بنفيكا لتحقيق فوز عريض (4-2) على ريال مدريد.
مباراة أكدت أن القراءة المسبقة للمباراة، وإدارة التفاصيل الصغيرة، رجحت كفة البرتغالي الذي أحكم سيطرته على اللقاء من المنطقة الفنية.
منذ الدقائق الأولى، ظهر الفرق في مرحلة البناء الأولى للهجوم، ريال مدريد حاول الخروج بالكرة عبر قلبي الدفاع، مع تمركز تشواميني كمحور ارتكاز وحيد، لكن غياب زوايا التمرير والدعم القريب جعله فريسة سهلة لضغط بنفيكا الموجّه.
في المقابل، اعتمد بنفيكا على بناء مرن، يتحول فيه أحد لاعبي الوسط إلى قلب دفاع ثالث عند الحاجة، ما سمح بكسر الضغط الأول للريال وخلق تفوق عددي في العمق، وهي نقطة أدارها مورينيو بذكاء كبير.
وسط الملعب كان مسرح السيطرة الحقيقية. ريال مدريد افتقد إلى الربط بين الخطوط ، حيث بدت المسافات متباعدة بين الوسط والهجوم، ما جعل الاستحواذ سلبياً وعقيماً.
بالمقابل، لعب بنفيكا بأسلوب الضغط الموضعي، مع توجيه حامل الكرة نحو الأطراف، ثم محاصرته بثلاثة لاعبين، ما أدى إلى افتكاك كرات في مناطق متقدمة وتحويلها مباشرة إلى فرص.
أحد أبرز مفاتيح تفوق بنفيكا كان استغلاله الذكي لـأنصاف المساحات خلف الأظهرة المدريدية، تقدم الظهيرين في منظومة المدرب أربيلوا لم يكن مرفقاً بتغطية عكسية، فظهرت فراغات قاتلة استغلها شيلدروب وبافليديس عبر تحركات قطرية وسرعات انتقال عالية.
هذا الأسلوب حوّل دفاع الريال إلى حالة دفاع متأخر وغير متوازن، وجعل كل هجمة مرتدة لبنفيكا تحمل خطورة مضاعفة.
مع بداية الشوط الثاني، حاول أربيلوا إدخال عدد من التعديلات، وبالإجمال أشرك 5 لاعبين أبرزهم كامافينغا ورودريغو وإبراهيم ديا، ولكن كل ذلك تم دون تغيير واضح في الرسم التكتيكي، فزاد الازدحام في العمق، وقلت المساحات بدل أن تتسع، كما أن الريال افتقد الخطورة.
طرد أسونسيو رودريغو لم يكن سوى تتويج لفقدان السيطرة الذهنية، حيث ظهر الريال عاجزاً عن إدارة لحظات الضغط العكسي، ما منح بنفيكا تفوقاً عددياً وراحة أكبر في الاستحواذ.
كما أن موينيو حافظ تقريبا على نفس النهج التكتيكي ولم يقم بتغييرات إلا في الدقائق الأخيرة كسبا للوقت، وبالإجمال حافظ بنفيكا على الانضباط ذاته، مع تحكم أفضل بالنسق الزمني للمباراة.
الفارق الأكبر بين الطرفين كان في إدارة إيقاع المباراة، مورينيو عرف متى يهدئ اللعب، متى يضغط، ومتى يقتل المباراة بتمريرات قصيرة أو هجمات مرتدة مباشرة.
في المقابل، لعب ريال مدريد بإيقاع واحد، سريع ومندفع خصوصا مع بحثه في أغلب مجريات اللقاء على إدراك التعادل وليس الحفاظ على النتيجة أو تعزيزها، وهو ما سهل على "السبيشل وان" القراءة وسهل الاحتواء.
قدّم بنفيكا نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للانضباط التكتيكي والالتزام الجماعي أن يتفوقا على فريق يعج بالنجوم، عندما تغيب الهوية الواضحة والمرونة الخططية.
لو خاض بنفيكا مبارياته بنفس الروح القتالية، والانضباط التكتيكي، والالتزام الذهني الذي زرعه مورينيو في هذه المواجهة، لكان في موقع تنافسي مختلف تماماً هذا الموسم. ليلة أكدت مجدداً أن التكتيك ينتصر حين تغيب الهوية، وأن الأستاذ لا يزال قادراً على تلقين الدروس متى شاء.
برزت بصمة جوزيه مورينيو الذهنية بوضوح في إدارة المباراة، سواء بدوافعه الخاصة أمام فريقه السابق، أو برغبته في فرض تفوقه على تلميذه أربيلوا. نجح “السبيشل وان” في تحجيم مفاتيح لعب ريال مدريد، وكسر إيقاعه، وشل فاعليته الهجومية بالكامل.
قدّم تيبو كورتوا واحدة من أفضل مبارياته هذا الموسم، حيث أنقذ ريال مدريد من نتيجة أثقل بتدخلات حاسمة وردود فعل استثنائية، مؤكداً مرة أخرى قيمته كعنصر حاسم حتى في أصعب الليالي.
رغم التحركات المستمرة والرغبة الواضحة في صناعة الفارق، عانى كيليان مبابي من عزلة هجومية واضحة نتيجة غياب الربط بين الخطوط وضعف الإسناد الجماعي، ليُثبت اللقاء أن الاعتماد على الفرديات وحدها لا يكفي أمام منظومة تكتيكية متماسكة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة