آخر الأخبار

لا يمكن رؤيته أو سماعه.. قصة أضخم شلال على وجه الأرض

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تخيل شلالا هائلا وعنيفا إلى درجة تجعله يتفوق على عظمة شلالات نياغارا التي لا يتجاوز ارتفاعها أكثر من 50 مترا على الحدود الأمريكية الكندية، وحتى شلالات آنجل الشاهقة في فنزويلا التي يبلغ ارتفاعها 979 مترا، والآن تخيل أن هذه القوة الطبيعية الجبارة غير مرئية بالكامل، بل مخفية تحت أمواج القطب الشمالي.

هذا الشلال الغامض، المعروف باسم شلال مضيق الدنمارك، يعد أكبر شلال مائي على كوكب الأرض حيث تنحدر عبره أكثر من 3.2 ملايين متر مكعب من المياه في الثانية الواحدة، ما يجعله عنصرا أساسيا في تشكيل ديناميكيات التيارات المحيطية.

وكشفت دراسات حديثة، من بينها دراسة صادرة عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية عن دور هذا الشلال الخفي المحوري في تنظيم أنماط المناخ العالمية والنظم البيئية البحرية، وتأثيره بصورة غير مباشرة على الأحوال الجوية التي نشهدها في مختلف أنحاء العالم.

مصدر الصورة يبقى شلال مضيق الدنمارك البحري صامتا وغير مرئيا تماما حتى من الفضاء (شترستوك)

شلال لا يمكن رؤيته أو سماعه

يعد شلال مضيق الدنمارك شلالا بحريا طبيعيا ضخما، ينحدر ببطء هائل أسفل مياه المحيط المتجمد الشمالي بين أيسلندا وغرينلاند. ويبدأ هذا الانحدار على عمق آلاف الأقدام تحت سطح البحر، ثم يعبر حافة صخرية خفية ويواصل هبوطه لمسافة تصل إلى 11500 قدم.

ومع ذلك، وبرغم حجمه الهائل، يبقى هذا الشلال البحري صامتا وغير مرئي تماما حتى من الفضاء، إذ يخفت هديره تحت أكثر من نصف ميل من مياه البحر، ولا يتصاعد منه ضباب كما في الشلالات التقليدية، ولا يمكن للسفن أو الغواصات العابرة فوقه ملاحظته، باستثناء بعض المؤشرات العلمية المرتبطة بدرجات الحرارة والملوحة.

وتقول أستاذة العلوم البحرية بكلية علوم الأرض في جامعة برشلونة الإسبانية، آنا سانشيز فيدال، إن علماء المحيطات تمكنوا من تأكيد وجود هذا الشلال في أواخر القرن العشرين، ووُصف علميا بصورة رسمية نحو عام 1989، مضيفة في حديثها للجزيرة نت أنه "رغم أن وجوده كان يُستدل عليه سابقا اعتمادا على الملاحظات الهيدروغرافية، إلا أن حجمه الحقيقي وأهميته العلمية لم تُدرك إلا في السنوات الأخيرة".

إعلان

وتوضح فيدال في تصريحات للجزيرة نت أن "هذه الظاهرة لا يمكن رصدها مباشرة، فقد جرى تأكيد وجودها باستخدام قياسات أوقيانوغرافية ميدانية شملت تسجيلات درجات الحرارة والملوحة وقياسات سرعة التيارات البحرية، إلى جانب بيانات طويلة الأمد جمعتها أجهزة رصد مثبتة داخل المضيق، وأظهرت وجود تدفق مستمر لمياه كثيفة تتدفق على طول قاع البحر".

كيف يمكن أن يوجد شلال تحت الماء؟

على خلاف معظم الشلالات التقليدية العملاقة التي تتشكل على اليابسة عندما يلتقي النهر بحافة صخرية فيندفع إلى الأسفل، فإن شلال مضيق الدنمارك يتبع آلية مختلفة تماما، فهو ينشأ نتيجة ظاهرة تُعرف بتيارات الكثافة، حيث تغوص المياه الأبرد والأكثر ملوحة القادمة من بحر الشمال الأوروبي أسفل الطبقات الأخف كثافة الواقعة جنوبا، متدفقة بمحاذاة قاع المحيط كما ينساب الشراب الكثيف فوق سطح مائل. وتكون الحركة صامتة، إذ لا تسحب تيارا واحدا فحسب، بل كتلا ضخمة من المياه.

وتوضح فيدال أن الشلالات الأرضية والبحرية تختلف اختلافا جذريا في فيزياء حركتها وسياقها السائل. فالشلالات على اليابسة تنشأ نتيجة تأثير الجاذبية على تدفق المياه فوق سطح حر مكشوف للهواء. أما الشلالات البحرية، فلا تعتمد على الجاذبية وحدها، بل تتشكل نتيجة التفاعل بين فروق الكثافة والجاذبية معا، ويؤدي هذا الاختلاف في الكثافة إلى تحريك التدفق العملاق.

وتشرح "عندما تصل كتلة مائية كثيفة إلى عتبة بحرية أو حاجز طبوغرافي تحت الماء مثل سلسلة جبال غرينلاند–أيسلندا، فإنها تعبر هذه العتبة ثم تهبط أسفل المياه الأخف الموجودة بعدها، وتتمدد تدريجيا أثناء سقوطها، حتى يصبح عرضها قرابة 300 ميل، أي ما يعادل تقريبا المسافة البرية بين مدينتي شيكاغو وسانت لويس".

وتضيف أن "هذه العملية تؤدي إلى تكوين عمود هابط من المياه الكثيفة ينتشر باتجاه أسفل المنحدر بفعل الجاذبية، بطريقة تشبه الشلالات. وفي حالة مضيق الدنمارك، تكون المياه المنحدرة كثيفة بما يكفي لتظل مستقرة أسفل الطبقة الأطلسية الأدفأ، مكونة تيارا عميقا مستمرا".

وأظهرت أجهزة الاستشعار شريطا كثيفا من مياه البحار الشمالية ينزلق نحو حوض المحيط الأطلسي، مكتسبا سرعة متزايدة قبل أن ينحدر فوق سلسلة جبلية مغمورة بالمياه، تشكلت خلال العصر الجليدي الأخير، قبل نحو 17500 إلى 11500 عام، عندما قامت الأنهار الجليدية بنحت أخاديد عميقة في قاع البحر وخلفت وراءها هذه البنية الجيولوجية الممتدة التي تعمل اليوم كحافة صخرية غير مرئية تتسبب في أعلى سقوط مائي معروف على الأرض.

ووفقا للخدمة الوطنية للمحيطات، فإن تدفق هذا الشلال يفوق بكثير أي تدفق مائي نشهده على اليابسة. ولتقريب الصورة، فإن كمية المياه المتدفقة عبره تفوق بكثير كمية المياه التي يصبها نهر الأمازون في المحيط الأطلسي، بل إن نهر المسيسبي نفسه، أثناء مواسم الفيضان، قد يجد صعوبة في مجاراة هذا التدفق العملاق.

وتوضح الباحثة أنه "لا يمكن رؤية هذا التدفق لأنه يحدث على أعماق تتراوح بين مئات وآلاف الأمتار تحت سطح البحر. وتظل المياه السطحية مستقرة نسبيا لأن التدرج في الكثافة بين الطبقات البحرية يحد من الحركة الرأسية للمياه. ولهذا فإن الاضطراب الشديد المصاحب للتدفق يقتصر إلى حد كبير على الأعماق ولا يؤثر بشكل ملحوظ على سطح البحر".

ذراع خفية تؤثر في مناخ العالم

بعكس الشلالات الصاخبة على اليابسة مثل شلالات الأمازون، لا يقدم شلال مضيق الدنمارك شيئا يمكن مشاهدته من منظور سياحي. أما من منظور كوكبي، فهو يؤدي دورا أكثر هدوءا، لكنه لا يقل قوة في تشكيل مناخ الأرض عبر التدفق الصامت للمياه الكثيفة.

إعلان

وتوضح فيدال أن "تدفق الشلال يمثل عنصرا أساسيا في نظام دوران المحيطات العالمي، فهو يسهم بشكل كبير في تكوين مياه شمال الأطلسي العميقة، التي تمثل الجزء السفلي من نظام الدوران الانقلابي الأطلسي، وهو نظام من التيارات البحرية يعمل على تنظيم درجات الحرارة العالمية من خلال نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية عبر محيطات العالم".

وتضيف أن "هذا الدور يسمح للشلال بنقل كميات ضخمة من المياه الباردة والكثيفة والغنية بالأكسجين إلى أعماق الأطلسي، ويساعد في إعادة توزيع الحرارة بين خطوط العرض المنخفضة والعالية، كما يؤدي دورا مهما في دورة الكربون العالمية عبر نقل الكربون إلى أعماق المحيط، ويؤثر في العديد من النظم البيئية البحرية عبر تغذية العوالق البحرية وتوجيه الكائنات المهاجرة نحو مناطق غنية بالغذاء".

مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وازدياد دفء القطب الشمالي وتغير أنماط الملوحة، قد يتباطأ شلال مضيق الدنمارك أو يزداد قوة. ولهذا، يراقب العلماء عن كثب التغيرات المحتملة التي قد تطرأ على الشلال.

وتقول فيدال إن "الدراسات الرصدية والنماذج المناخية تشير إلى أن التدفقات البحرية الكثيفة شديدة الحساسية للتغيرات المناخية. فالمياه العذبة الناتجة عن ذوبان الجليد وزيادة الهطول تقلل ملوحة مياه البحر وكثافتها، وهو ما قد يعيق تشكل المياه الكثيفة اللازمة لاستمرار هذا التدفق".

وتضيف أن "القياسات أظهرت تباينا في قوة التدفق ودرجة حرارته وملوحته، وهو ما يرتبط بالتأثيرات الجوية والتغيرات الجارية في القطب الشمالي"، محذرة من أن "التحولات في درجات الحرارة ومستويات الملوحة قد تؤدي إلى إضعاف هذا التدفق أو تغيير خصائصه، وبالتالي اضطراب نظام الدوران الأطلسي".

وتشير إلى أنه "نظرا إلى أن هذا النظام شديد الحساسية لأي تغير في تكوين المياه الكثيفة، فإن حتى التغيرات المحدودة في قوة هذا التدفق قد تحدث عواقب وخيمة على المناخ العالمي، ما يشير إلى أن دوره في تنظيم مناخ الأرض قد يكون أكبر مما كان يُعتقد سابقا".

ومن بين السيناريوهات المحتملة انخفاض درجات الحرارة في أوروبا، وتغير مسارات الأعاصير، واختلال الإنتاجية الحيوية للمحيطات عالميا. وهذا يعني أن الشلال الذي لا يستطيع أحد رؤيته يمتلك تأثيرا مباشرا على أنماط الطقس اليومية، وينعكس بصورة مباشرة على الثروة السمكية والنظم البحرية حول العالم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار